EntrerInscription
Autres sites
ttilou
top-site-arabic 1111111111 11111111111
fullcontact reda ouite
youssef-asrikh youssef asrikh
necibeach
Top commentateurs
ayoubayoub1 ayoub ayoub
Commentaires: 1
contre-tajrid contre_tajrid
Commentaires: 1
Calendrier
<
Décembre 2009
>
LMaMeJVSD
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031
Visiteurs
Abonnement
Adresse électronique: 
Retour à l'accueilcontre_tajrid / Pages / محمد البلطي / هيمنة الأنشطة المالية

هيمنة الأنشطة المالية

0.00 (0)

هيمنة الأنشطة المالية

محمد البلطي

baltym@yahoo.fr

  

قبل عرض هذه المسألة نلاحظ بالإعتماد على كارل ماركس أن أوهام النظام النقدي تجد مصدرها في أنه لا يُنظر الى النقود في شكلها كشيء مادي له خصائص محددة الى أساس أنها تمثل علاقة إنتاج إجتماعية. بعد ذلك يذهب "دافيد هارفي" الى أنه مثلما كان الأمر في القرن 19 كانت بنى الأسواق المالية من ضمن أول وأعمق ما تأثر بمفاعيل الأزمة الحالية. ومن ضمن ما نتج عن ذلك أنه لم يعد هناك طبقة رأسمالية مالية تنظّم وتسيّر النسق الذي عمته الفوضى وأصبح يتميز بأخطار كبيرة. كما بات رغم ذلك أو بسببه كبير القوة وقادرا على إخضاع الحكومات القومية والشركات العابرة للأمم لضغوطات السوق. وكان "جون كينز" نصف قرن قبل إكتشاف الحاسوب الشخصي وتكنولوجا المعلومات والأقمار الصناعية قد اعتبر أنه كلما تزايد اكتمال تنظيم أسواق الإستثمار تزايد خطر هيمنة المضاربة. وحسب سمير أمين تمثل المضاربة الشكل الطبيعي لتوظيف سيولات الإحتكارات.

   وإذا كانت الأسواق المالية هي النموذج المركزي لهذه المرحلة وبحكم أنها تفرض كعلم مرجعي ليس العلوم الطبيعية والميكانيك النيوتني أو الكمياء العضوية لكن حساب الإحتمالات ونظرية الألعاب’ نظرية الفوضى والمنطق الضبابي وعلوم الحياة’ بحكم ذلك تصبح المضاربة هي النشاط "الإقتصادي" الأساسي لـ"رأس المال" النقدي كشكل من أشكال رأس المال الإجتماعي. أي أن القطاع المالي في البلدان الرأسمالية الإمبريالية أصبحت له, مثلما يلاحظ ذلك سامي نير’ حياته الخاصة, إنها حضارة المضاربة, فوضى المضاربة كعنصر أساسي في ما يسمّى العولمة. وهو ما يعني أن المضاربة تهمين على الإنتاج والنتائج  الإجتماعية  الكارثية لليبرالية الجديدة تحصل في إطار إقتصادي حيث انتصرت الأنشطة المالية وأصبحت الأسواق المالية تمارس تأثيرا كبيرا جدا. ومثلما كان ممكنا في السابق القول أن مأتي عائلة تتحكم في مصير فرنسا فانه يمكننا الأن التأكيد أن مائتي متصرّف يتحكمون في مصير الأرض. وبالنسبة لسمير أمين العولمة الجديدة تتميز بشكل كبير عن المراحل السابقة فهي تقوم على تداخل بين رؤوس الاموال, وذلك الى جانب أن رأس المال الذي كان الى حد الأن وبشكل دائم وطنيا يتجه الى فقدان هذه الخاصية حيث ينبثق في مكانه رأس مال مهيمن مُعولم إنطلاقا من قطاعه المالي. وهو في طريقه الى التعولم بنسق سريع وبشكل غير معقول ورأس المال هذا هو وسيلة العولمة بالنسبة لسمير أمين. وتتصف الراسمالية الجديدة حسب محمد سعيد طالب بغلبة الطابع المالي والأنشطة الريعية والمضاربات المالية وهيمنتها على الأنشطة الإنتاجية. وفي التعليق على أزمة 1994 في المكسيك وملابسات مواجهتها يؤكد كاتبا "فخ العولمة" "لا مراء أن الأزمة المكسيكية قد سلطت الأضواء على طبيعة النظام العالمي الجديد في عصر العولمة. فقد أماط المتعاملون مع الأزمة على نحو لا سابقة له حتى الأن اللّثام عن التغيير الجدي الذي طرأ على موازين القوى في العالم إثر سيادة التكامل الإقتصادي العالمي. فكما لو كانوا مسيرين من قبل يد خفية تُخضع الجميع, أعني حكومة القوى العظمى في العالم’ الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي’ الذي كان معروفا لذلك الحين بجبروته وعطمته, وكذلك المصارف المركزية الأوروبية’ نعم خضع هؤلاء جميعا لما أملته عليهم قوّة فاقت قوّتهم’ قوّة لم يكن بمقدورهم التعرف على حجم ذخيرتها التدميرية, أعني السوق المالية الدولية". ويعرّف عزام محجوب الأسواق المالية من جهة كونها "تعني إندماج الأسواق المالية في سوق عالمية واحدة, وذلك برفع كل العراقيل والحواجز أمام رؤوس الاموال".

   الطابع المهيمن للأسواق المالية يعني أن هناك جديدا في طبيعة العلاقة بين العناصر المكونة لرأس المال الإجتماعي. وهو جديد يتمثل في انفصال جانب كبير من رأس المال النقدي عن رأس المال الصناعي-المنتج ورأس المال التجاري متخذا بسبب أزمة فائض إنتاج شكل فائض نقدي غير قابل للتحول الى رأس مال منتج أو تجاري. وهو ما سيدفعه باتجاه المضاربة.

   وتساعدنا عودة سريعة الى التاريخ على توضيح ذلك. في مقابل ما نلاحظه من كثافة لحركة "رأس المال النقدي" وهيمنة الأنشطة المالية المنفصلة عن الإقتصاد الواقعي- المنتج, في مقابل ذلك تساعدنا تلك العودة على تبين أن الطابع العالمي لحركة رأس المال النقدي ليس جديدا كليا وليس وليد ما يسمى العولمة. وفي هذا الإطار يذهب رضا قويعة الى أن هناك ثلاثة دوافع تفسّر إتجاه رؤوس الأموال الأنقليزية نحو الخارج إنطلاقا من القرن 19. وهي إنخفاض نسبة الفائدة وإتمام إنجاز السكك الحديدية في البلدان المتقدمة, وباتالي يمكن لرؤوس الأموال الإتجاه نحو الخطوط الحديدية الطويلة في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية والهند. أما السبب الثالث فهو تشكل العناصر الأساسية لنظام بنكي فاعل, حيث تصبح البنوك الأنقليزية والفرنسية والألمانية هي الفاعلة في ميدان الإستثمار والتسليف الخارجي. وفي الإطار نفسه يذكر رضا قويعة أن حوالي 54 بالمائة من الإدخار الداخلي الأنقليزي كان مستثمرا في الخارج في نهاية القرن 19, وقد بلغت هذه النسبة 96 بالمائة خلال المرحلة 1904-1913. لكن الأهم من كل ذلك هو أن تلك الإستثمارات كانت تتجه الى الإقتصاد الواقعي- المنتج فقد كانت توجه الى ميدان البنية الأساسية الطرقات والموانيء والسكك الحديدية والأشغال العامة وتجهيزات التلغراف والإستغلال المنجمي..الخ. وقد شهدت الإستثمارات الأنقليزية تطورا متواصلا إذ كانت 104 مليون ليرة في 1906 و148 في 1907 و225 في 1913, أي ما يمثل ثلث أملاك الرأسماليين الأنقليز ومتجاوزة بذلك الإستثمار الداخلي الصافي. ويمكن ملاحظة نفس الشيء بالنسبة للإستثمارات الفرنسية في الخارج. فقد تجاوزت في بداية القرن 20 الإستثمارات في الداخل ومثلت 900 مليون في المتوسط في السنة. ومثلما يشير الى ذلك رضا قويعة, كانت مساهمة رأس المال البنكي هامة ومثل الإستثمارات الأنقليزية اتجهت الفرنسية الى الإقتصاد الواقعي من خلال بعث مصانع النسيج والحديد وإستثمرت في ميدان بناء السفن ومناجم الفحم. وقد كانت شركة فسفاط قفصة التي أنشأت سنة 1877 مرتبطة ببنوك "ميرابو-هوتنغار" و مجموعة "نافرو". ويصل رضا قويعة الى درجة اعتبار أن عولمة رأس المال قد تمت في أواخر القرن19 وبداية القرن 20 ويرتبط ذلك مثلما سبقت الإشارة اليه باقامة شبكة بنكية فعالة. ذلك النظام البنكي كان يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في الإستثمار الصناعي. ويلاحظ سمير أمين أن الأزمة الكبرى لنهاية القرن 19 قد كانت مرفوقة بهيمنة الجانب المالي الذي تم من خلال تأكيد هيمنة رأس المال النقدي, المالي على رأس المال المنتج. وبلغة كال ماركس هيمنة المسار المباشر: ن- ن’ على المسار الإنتاجي : ن - إ- ن’.

   ما يهما التأكيد عليه من كل ما سبق هو هيمنة رأس المال النقدي, ورغم وجود المضاربة, لكنها ثانوية, كانت الهيمنة في إطار من التحالف بينه وبين رأس المال الصناعي- المنتج وهي على أساس ذلك هيمنة لم تكن تتضمن انفصاله شبه الكلي عن حركة الإقتصاد الواقعي- المنتج, وهو ما يحصل لجانب كبير من رأس المال النقدي في ظل ما يسمى العولمة, بسبب أزمة فائض إنتاج تولد فائض نقدي.

على أساس ذلك يكون الإنفصال بين حركة الإقتصاد المنتج وحركة جانب كبير من رأس المال النقدي هو أحد خصائص مراحل التأزم التي تنتج عن التناقض بين القدرة على الإنتاج والقدرة على التصريف التي تميز نمط الإنتاج الرأسمالي المحكوم ليس بالبحث عن تلبية حاجات البشر بل عن الربح والمزيد منه وهو ما يجعل الركود النسبي سرطان هذا النمط الإنتاجي. وذلك الإنفصال يتم على قاعدة غياب حل منتج للفائض النقدي مما يدفع هذا الأخير باتجاه المضاربة كحل بالنسبة للإقتصادات الإمبرالية.

ويترافق نمو الأنشطة المالية وتوسعها مع نمو صنف جديد من طرق المضاربة والتلاعبات المالية. ويلاحظ سامي نير أن العومة اليبرالية هي صيرورة شاسعة لتملك الفضاء العالمي, وما يميزها عن الماضي أنها لا تتم و السلاح في اليد بل هي صيرورة يحصل بشانها إتفاق بين النخب المالية العالمية, ومن المستحيل بالنسبة له أن تكون وضعية مماثلة قد وجدت في الماضي.

والأسواق المالية حسب "مالكولم ويترز" هي أكثر أبعاد "الحياة الإقتصادية" عولمة. ولهذه الأسواق تارخ طويل من التدويل. وبالإعتماد على "قيلبان" يحدد "ويترز" ثلاث مراحل لنمو الأسواق المالية العالمية:

   -- 1870- 1914 ,كانت بريطانيا أهم مصدر لرأس المال وتركزت الأنشطة المالية العالمية في لندن التي أصبحت تيسر النظام المالي العالمي.

   -- 1920- 1939 ,أجبرت الحرب العالمية الأولى العديد من البلدان الأوروبية بما في ذلك بريطانيا على تصفية إستثماراتها الخارجية, وفي نفس الوقت كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتحول الى قوّة إقتصادية, والى حدود 1929 وفّرت الولايات المتحدة السيولة للنظام المالي لكنها حدّت من القروض الخارجية في نفس العام وبعد ذلك ظلت الأسواق محافظة على سيولتها الى حد الحرب العالمية الثانية.

   -- 1947- 1985 ,أصبحت نيويورك المركز المالي العالمي, أي مصرفي الإحتياطات الأجنبية, وأهم سوق لرأس المال وأرض الخلاص الأخير. وتأكد الدور الأمريكي في المالية العالمية من خلال البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. كما تميزت هذه المرحلة بنمو المساعدات المالية الدولية الى درجة تساويها في الأهمية مع الإستثمارات الخاصة.

وحسب "ويترز" النظام المالي لم يكن لا قبل الحرب الثانية ولا بعدها معولما كليا. إذ كان في الحالتين ممركز ومضمون من طرف دولة واحدة, بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية. وقد انهار نظام لندن في الثلاثينات حيث لم تكن حكومة جاهزة لضمانه. وحصلت أزمة مماثلة في بداية السبعينات كان سببها الأساسي التراجع النسبي للقدرة التنافسية الأمريكية وقد ساهمت العديد من العناصر في هذا التراجع الأمريكي من بينها صعود الكتل التجارية الجهوية وصعود اليابان والبلدان الصناعية الجديدة والصدمة النفطية الأولى. وتحولت الولايات المتحدة الأمريكية الى مدين بعد أن كانتدائنا وبدات تمول عجزها بضخ الدولارات في السوق وفعلت الدو النفطية نفس الشيء بفوائضها المالية. والأهم من كل ذلك تكون سوق للدولارات الأمريكية: سوق الدولار الأوروبي خارج سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية. وتزايد حجم تلك الأموال الغير خاضعة لأي دولة من 50 بليون دولار سنة 1973 الى 2 تريليون دولار سنة 1987, وهي تقريبا نفس الكمية الموجودة داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.لذلك يرجع سامي نير بداية هيمنة الأنشطة المالية, هيمنة احتكار القلة المالي الى تحلل الولايات المتحدة الأمريكية من إتفاقيات "بريتون وودز" سنة 1971 وما نتج عنه من عدم قابلية الدولار للتحويل الى جانب الكمية المهولة من الدولارات التي تراكمت خارج الولايات المتحدة الأمريكية, التي دفعت الى نمو غير مسبوق للأسواق المالية. وحصلت هذه الهيمنة في إطار يتمير بالتباطيء, بل بالركود المعمّم الذي دخل فيه الإقتصاد العالمي إنطلاقا من منتصف السبعينات.

   هذا التشخيص لا يختلف عن ذلك الذي يقوم به ثويترز" وكان من الممكن بعد إنهيار نظام "برتون وودز" إنتظار تحول مركز السوق المالية العالمية, مثلا, الى فرنكفورت أو طوكيو. لكن هذا لم يحدث وما حصل بالفعل هو بداية صيرورة عولمة مما يجعل تحديد مركز للسوق بدون معنى. وبالتالي فان المرحلة والرابعة في تطور النظام المالي العالمي إنبثقت حسب "ويتروز" كنتيجة للتلاقي بين انهيار نيويورك ونمو وسائل الإتصال المرتبطة بالحاسوب والحينية. وقد نمت السوق المالية المُعولمة في اتجاهين. يتضمن الأول إلغاء قيود الزمان والمكان على المعاملات التي أصبحت تتم على مدار الساعة أما الإتجاه الثاني فيتمثل في التنوع الذي أصبحت عليه السوق المالية. فقد تحوّلت البنوك الى المتاجرة في الأوراق المالية وشركات البناء واتحادات التسليف تحولت الى بنوك.

   "هاري مقدوف" يعيد نشوء تلك السوق الى الثمانينات, إذ شهدت هذه الأخيرة ولادة مرحلة جديدة كليا من الأنشطة المالية العالمية وذلك مع صعود الأسواق المالية الأكثر حريّة والأكثر تعقيدا, تلك التي لم يرى العالم مثيلا لها في السابق. وفي نفس الإتجاه يسير كل من "دنيال بُدرو" و"برنار مَاريس" من خلال إعادتهما ذلك التحول الذي يؤثر في الإقتصاد العالمي الى الثمانينات معتبر أن الرأسمالية ما بعد الحرب في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية كانت تقوم على أساس نسق لاحتكار القلة مدعوما من طرف القوة العمومية من وجهة نظر الإستثمار والقروض والطلب الى جانب الدور الأساسي للنظام البنكي, وحيث كانت السوق النقدية والمالية منظّمتان ومراقبتان. أما الأن فان الأسواق النقدية والمالية المستقلة تراقب الرأسمالية. لقد أصبح السوق يراقب السوق. ومنطق هذا النسق بالنسبة لها بسيط:

ففي محل نسق حيث التمويل والمخاطر مؤمنة من طرف بنك الدولة وحيث يتم تحديد القيمة في الميدان التجاري, محل ذلك النسق حل نسق حيث التمويل مضمون بواسطة الإدخار وأين يتم تحديد "القيمة" في الأسواق المالية/البورصة.

وقد اصبحت هذه الأخيرة هي التي تحدد مسبقا أن هذه المؤسسة يجب أن توفر من 15 الى 18 بالمائة صاف, كما أصبح ممكنا لها إغلاق مصنع "فيلفورت" أو نقل مصنع الى البرازيل. ومعنى ذلك هو الإنتقال من"إقتصاد الديون" الى "إقتصاد الأسواق المالية" أين تشترط حركة السيولة الكثيفة "ربحا" سريعا وعلى أساس أصبح "المستثرون المؤسسيون" أو "صناعيو التوظيف" يرغبون في مردود مرتفع من 15 الى 20 بالمائة. وينتج عن ذلك أن مخاطرة رأس المال لم يعد يتحملها حامل الأسهم, فهذا الأخير أصبح يحصل مسبقا على نتائج النشاط الإقتصادي للمنشأة. وتقوم الأسواق المالية باستعمال تقنيات عنيفة ذلك أنها تحدد جزء سيولة الشركات الذي عود اليها وإذا لم يكن الأمر كذلك فانها تنسحب من رأسمالها. كما تفرض على المنشاة وضع قواعد تحدد حقوق حاملي الأسهم وتبني مرونة العمل. ويعني ذلك بالنسبة لسامي نير الإنفصال بين الرأسمالية المنتجة والرأسمالية المالية وتحول هذه الأخيرة الى إقطاع مالي على صورة المدن- الدولة في القرن 16.

   كانت المبادلات في الأسواق النقدية والمالية وفي البورصة زمن "كينز" تمثل مرتين المبادلات السلعية. لكنها أصبحت اليوم مثلما يشير الى ذلك "ميشال بو" تمثل عشرات المرات قيمتها. فالعلاقة بين عمليات بيع وشراء العملات في أسواق الصرف والعمليات المرتبطة بالتجارة العالمية للسلع كانت 6 سنة 1979 و20 سنة 1986 و57 سنة 1995. وكان المجموع الصافي لعمليات الصّرف 1300 مليار دولار في اليوم سنة 1995. ويذر "هُوارد فاتشال" أن المبادلات المتعلقة بالعملات كانت 150 مليار دولار في اليوم سنة 1985 لكنها تجاوزت 1000 مليار دولار في اليوم والبعض يتحدث عن 1500 بل 1800 و2000 مليار دولار في اليوم. وحسب الرئيس المدير العام لبنك التنمية للإقتصاد التونسي فـ"أن حجم الأموال المتداولة في العالم تبلغ 15 مرة حجم الإنتاج العالمي". وقدر "إقناسيو رامونيه" حجم المعاملات في الأسواق النقدية والمالية بحوالي 50 مرّة قيمة المبادلات التجارية العالمية. وفي السوق الأوروبية للدولار في لندن المعدل اليومي لدوران رأس المال يبلغ 300 مليار دولار أي 75 تريليون دولار في العام ويدور فيها حوالي 150 مليار دولار يوميا أي ما يقارب من 35 تريليون دولار في السنة في إطار عمليات تبادل العمليات في أهم مراكز المال في العالم. ذلك في حين بلغت قيمة البضائع والخدمات المتبادلة عالميا 6300 مليار دولار. وفي أواخر الثمانينات وبداية التسعينات تضاعفت القيمة الإسمية للمبادلات لتصل على مستوى العالم الى قيمة خيالية, إذ بلغت 41 ألف مليار دولار.

   كما يتجسد ذلك الإنفصال في النتيجة التي يصل اليها كاتبا "فخ العولمة" وذلك بعد إستعراض واقع وحدة الأسواق المالية في مختلف مناطق العالم إذ "لم يعد مستوى النشاط الإقتصادي ولا المصرف المركزي الألماني (مثلا) هما اللذان يقرران سعر الفائدة في سوق المال الالمانية, بل سيقرره ما يراه أولئك الذين مهنتهم جني الأرباح والعمل على تراكمها" من خلال التعامل في الأسهم وسندات الديون الحكومية وما يسمى المشتقات. "فالى جانب العملات يجري تداول حوالي 70 ألف من الأوراق التجارية بكل حرية عبر الحدود" و"بواسطة التعامل بالمشتقات تحرر قطاع المال من القطاع الحقيقي". وهو ما جعل من الممكن "أن المصارف قد حققت أرباحا طائلة من المخاطر التي تصاحب التذبذبات التي يفرزها التعامل بالمشتقات, فالمصرف الألماني 'دوتش بنك' بمفرده حقق من خلال المشتقات ما يقارب المليار مارك. وما الأهمية المتزايدة لهذه العمليات في ميزانية هذا المصرف سوى دليل واحد على التغيير الذي طرأ على دور المصارف في عالم المال المعولم. فأهمية الودائع ومنح القروض هي في تراجع مستمر. من ناحية أخرى فان العديد من الشركات الكبرى لم تعد في حاجة الى المصارف فهي قد صارت على نحو أو آخر مصرف, ولعل شركة 'سيمز' خير مثال على ذلك. فهي تحق بعملياتها النقدية والمالية أرباحا تفوق ما تحققه بمنتجاتها المعروفة في أرجاء المعمورة. وهناك المئات من الشركات الكبرى أضحت تصدر هي نفسها على مستوى العالم سندات دين تمول بها ما تحتاج اليه من رأس مال".

   ذلك الإنفصال هو ما يؤكد عليه أمجد كرم كاهية الرئيس المير العام لبنك الأمان التونسي, فهناك بالنسبة له رأس مال ورأس مال, ملاحظا أن نوعية رأس المال المستثمر شهدت تغيرا ملحوظا حيث أصبح نصيب تمويل الإستثمارات والتجارة الحقيقية فيها محتشما جدا بالنسبة لرؤوس الأموال المضاربة التي لا تمت للوضع الإقتصادي بصلة ويضيف "يكتسي هذا الوضع خطورة كبرى بالرجوع الى المبالغ الكبير التي تتحرك بسرعة الضوء في كل أرجاء المعمورة اليوم. من ذلك أن الحركات المالية التي تسجل كل يوم تقدر بنحو 1500 مليار دولار غير أن 3 بالمائة فقط من هذا المبلغ يوظف لتمويل عمليلت تجارية وإقتصادية حقيقية والنسبة المتبقية, أي 97 بالمائة تمثل عمليات مضاربة أو عمليات ليست لها صلة مباشرة بالنمو الإقتصادي العالمي". وفي إطار تحديديه لخصائص ما يسمّه الرأسمالية الكوكبية كمرحلة مابعد إمبريالية في تطور الرأسمالية يلاحظ إسماعيل صبري عبدالله أن "دور النشاط المالي (زاد) ...الى أبعاد غير مسبوقة...وبمساندة البنوك يضارب الناس في الأسواق النقدية وأسواق أسعار الصرف بمبالغ خيالية. وحجم التعامل اليومي فيها وصل الى ترليون دولار... وتدفع ظروف النمو الإقتصادي البطيء أو موجات الإنكماش المسؤولين في ...الشركات الى الحد من الإستثمار الإنتاجي وتفضيل استخدام فائض السيولة لديها في عمليات المضاربة في أسواق الصرف وأسواق الأوراق المالية". وكدليل على هيمنة ما يسمى الأسواق المالية يذكر صبري عبدالله "أن إجمالى إرادات القطاع المالي (بنوك وتأمين ومؤسسات إدخار وإستثمار) تبلغ 22.5 بالمائة من إجمالي إيرادات الشركات الخمسمائة الكبرى في قائمة فورتشن ونجد على العكس أن نصيب التعدين والمعادن والمنتجات المعدنية لم تزد إيراداتها عن 2.8 بالمائة"

   إن الطابع المضارب للكتلة النقدية الدائرة يجعلها بالنسبة لـ"جاك أتالي" مخطرة لأنها تتعلق بقرارات ليست لا من الميدان اللإقتصادي ولا من الميدان الإجتماعي خاصة ولكنها قرارات مالية صرفة تفرض منطق مصالها الضيقة جدا على كل الفاعلين وتتحكم في اقتسام القيم المنتجة التي لا تساهم في إنتاجها بأي شكل. وهو ما دفع "ميشال كامديسو" المدير العام الأسبق لصندوق النقد الدولي الى القول "إن ألغاء القيود على حركة رأس المال تتم أحيانا على الرغم من تعارضها مع المنطق السليم" مضيفا " إننا على عتبة الدخول الى القرن الحادي والعشرين وهو عصر بيل غيتس و جورج سوروس, بينما تدار الأسواق كما كانت أيام بالزك". هذه العودة الى رأسمالية "أيام بالزك" تجد تفسيرها, كما يعتقد سمير أمين, في كون الثورة التكنولوجية المعاصرة لا تحمل حلا للفائض الزائد وهو ما يفسر الهروب الى المضاربة المالية. فالموجة الحالية من التجديد المتركزة حول الإعلامية, ليس من الأكيد أن يكون لها نفس التأثيرات والنتائج التي كانت للسكك الحديدية وصناعة السيارات في المراحل السابقة من توسّع تراكم رأس المال.

   فالأزمة, بالنسبة لسمير أمين, كما هو شأنها دائما في ظل الرأسمالية, تعبر عن نفسها بفائض من رؤوس الأموال لا تجد مجالات تصريف ذات مردودية كافية في توسيع النظام الإنتاجي. والتصرّف الرأسمالي في الأزمة يعمل من أجل تعويض عدم الكفاية ذلك بمجارج مالية ذات مردوية, عاملا من خلال ذلك على الرّفع من شأن الأمن المالي, حتى ولو كان على حساب التوسّع الإقتصادي. والصرف المعوّم ونسب الفائدة المرتفعة والخوصصة والسياسات المولدة لعجز كبير جدا في ميدان مدفوعات الوريات المتحدة الأمريكية وأولوية سياسات التصرف في خدمة دين "العالم الثالث", كل ذلك يشكل حسب سمير أمين الوسائل العملية لهيمنة الأنشطة المالية التي يعتبرها مهاتير محمد الوزير الأول الماليزي السابق غير ضروية وغير منتجة وغير أخلاقية, فالمضاربة المولدة للتفقير يجب بالنسبة له منعها.

   ومن بين نتائج هيمنة الأنشطة المالية يمكننا ذكر نظرية نزع الطابع "المادي " عن الإقتصاد, أي أن ذلك المسار الذي يتضمن فقدان ملكية عناصر مادية مثل الأرض والمواد والآلة لأهميتها مقارنة بعوامل غير "مادية" مثل المعرفة العلمية التكنولوجية المتطورة جدا والمعلومات والإتصال والإشهار  المالية. كما تؤدي تلك الهيمنة وانفصال أدواتها عن حاجة الأسواق والبشر الى إدخال الإضطراب على "السوق". فالقطاع النقدي والمالي يكمن أن تدخل عليه الإضطرابات, يمكن أن تحدث فيه "عاصفة" تحمل معها العملة والإقتصاد القوميين والأرباح الممكنة والإستثمارات. وقد حصل ذلك بالفعل سنة 1987 في الولايات المتحدة الأمريكية وسنة 1993 في أوروبا وسنة 1994 في المكسيك وسنة 1997 في جنوب شرق آسيا وفي سنة 1998 في روسيا والبرازيل...الخ وآخر العنقود ما يعيشه كل العالم منذ 2007 ويكون قد بلغ أحد قممه في 2008 حيث يتجند كل العالم وبالإعتماد على أرقام فلكية لحل ما يسمى الأزمة المالية العالمية المنطلقة ومنذ 2007 من الولايات المتحدة الأمريكية والتي نشير عرضا الى أنها ليست أزمة مالية في أصلها إنما هي أزمة فائض إنتاج وحتى أن كانت كذلك فانها لا تشكل أزمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقد إصطنعها وحوش المال هناك, وهذا موضوع آخر ليس هذا مجال تناوله فقط نلاحظ أن ما يسمى أزمة مالية يشكل بالنسبة لوحوش المال في أمريكا أداة لمزيد تركيز وتمركز المؤسسات المالية هناك كأحد الأدوات الأساسية للهيمنة الأمريكية على العالم وخاصة في مواجهة أوروبا التي أصبحت في المرتبة الأولي اقتصاديا بما نسبته 27 من الإنتاج العالمي في حين تردت الولايات المتحدة الأمريكية الى المرتبة الثانية بما نسبته 18 بالمائة. وهذه قصة أخرى.

   وحسب خديجة محمد صفوت فـ "إن نسبة مساهمة الصناعت السلعية قد انخفضت نتيجة للخصخصة ولتوفير العمل الحي في القطاع العام والخاص والإعتماد على كل من الصناعات الخدمية والمراكمة ببيع المال كسلعة في أسواق المال, إذ انخفض نصيب الصناعات السلعية في الإستثمار ممّا ترتب عليه انخفاض نسبة مساهمات الصناعات السلعية في المراكمة الرأسمالية مابعد الصناعية. وقد اصبحت الصناعة السلعية تسهم بما يتراوح ما بين 20 و25 بالمائة في الولايات المتحدة الأمريكية وتنخفض هذه النسبة تباعا في بريطانيا بتوفير العمال الصناعيين بمعدل عامل كل عشر دقائق... فقد انخفضت قيمة أسهم الصناعات الثقيلة كصناعة الحديد والصلب... ممّا ترتب عليه شطبها من سجل السندات المالي للمائة صناعة التي تؤلف أقوى وأكبر صناعات في بريطانيا".

   والى جانب ذلك تتجسد تلك الهيمنة في نمو ما يسمى إستثمارات المحفظة أو الإستثمارات العائمة التي بلغت أكثر من 500 مليار دولار وهي إستثمارات ليس لها أيّة علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالإنتاج, وهو ما يجعل المضاربة المتنامية مضرة بالإقتصاد الكلّي الى درجة أن البنوك المركزية لم تعد قادرة من خلال سياسة الصرف ونسب الفائدة على مواجهة اضطراب السوق الكلّي.

   وقد كان "كينز" منذ الثلاثينات حذر من النتائج السلبية لتلك الهيمنة. فاذا اُمتصت الثروة من طرف المعاملات المالية, وإذا تم إهمال الإستثمارات المباشرة فان الأمم تعرّض نفسها الى الخطر الذي حدده "كينز" بقوله أنه لا يمكننا إنتظار الكثير من وضعية حيث نمو بلد ما يصبح النتاج الثانوي لأنشطة محل ميسر. ويمكننا على أساس ذلك الإنتهاء الى اعتبار أن النمط الإقتصادي المرتبط بهذا التطور يؤدي, مثلما يذهب الى ذلك سمير أمين الى الإنغلاق في أزمة دائمة من النقص في الإستهلاك وهيمنة الأنشطة المالية.

   وإذا كان الإنفصال عن الواقع يفقد الحس بالمسؤولية تجاهه, فالأمر كذلك بالنسبة للشكل النقدي من رأس المال الإجتماعي المنفصل عن حركة الإقتصاد الواقعي- المنتج ان شأن تلك الحركة لا يعنيه في شيء. و"جورج سوروس" الذي اشتهر كمضارب في الأسواق المالية يؤكد أن التاريخ قد بين أنه من الممكن بالفعل أن تنهار الأسواق المالية مولدة الإنكماش الإقتصادي والإضطرابات الإجتماعية. فالأسواق بالنسبة له غير مستقرّة بشكل أساسي. وعلى النقيض مما يصرّح به إيديلوجيو دعه يعمل, حسب قوله, فانه يصرّح أن نسقنا مهددا بالإنهيار. وانهياره سوف يمثل مأساة لا يمكننا تخيل نتائجها. وعندما وجّه النقد الى "ميشال كمادسو" في علاقة بأزمة المكسك سنة 1994, بأن المضاربين قد جنوا ثمار المليارات الممنوحة, إعترف بذلك, وبأن "العالم في قبضة هؤلاء الصبيان" وهو لايزال كذلك الى سنة 2008 فصبيان واشنطن وباسم ما يسمى الأزمة المالية العالمية يحاولون تشديد قبضتهم على كل العالم إن لم يكن بالمضاربة فبالظرب حيث ينفقون على التسلح أكثر من كل العالم مجتمعا, 500 مليار دولار ويمركزون المؤسسات المالية بحث تحولت الى وحوش مالية تهدد كل العالم.

   ويعني ذلك وضع حد للتحالف بين أشكال رأس المال الإجتماعي (رأس المال الصناعي- المنتج ورأس المال التجاري ورأس المال البنكي- النقدي) الذي قامت عليه الرأسمالية إنطلاقا من أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين. وقد باشرت ما يسمى الشركات المتعددة الجنسية إنجاز ذلك’ بحكم قدرتها على توفير حاجياتها المالية بدون الرجوع الى الجهاز البنكي المستقل عنها, وما بدأته تلك المؤسسات تقوم ما يسمى العولمة بتعميقه وإعطائه شكله الناجز لمصلحة هيمنة رأس المال النقدي على بقية الأشكال الأخرى لرأس المال الإجتماعي. وذلك هو المحتوى الفعلى لإيديولوجيا تحرير "السوق", أي تحرير رأس المال النقدي من التحالف مع رأس المال التجاري ورأس المال الصناعي.

   ففي مسار إنتاجي يهيمن عليه رأس المال الصناعي- المنتج تكون وظيفة السوق الأساسية هي تحقيق فائض القيمة أي تحويله من شكله السلعي الى شكله النقدي. وفي حالة الهيمنة المطلقة لرأس المال النقدي على ذلك المسار, في ظل الإنفصال بين حركة النشاط الإنتاجي وحركة رأس المال النقدي, فان وظيفة "السوق" تصبح وظيفة ريعيّة, أي أن رأس المال النقدي لم يعد يوظّف بشكل منتج سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, إذ نجد أنفسنا في مواجهة الوضعيّة التي تولد فيها النقود نقودا بدون أية علاقة مع الإنتاج الحقيقي وبالتالي فان المعادلة : ن- إ- ن’ تتحول بواسطة الألاعيب المالية والمتاجرة في المشتقات الى : ن1- ن2- ن3. حيث ن1 كمية النقود من شكل معين التي يتم تقديمها من أجل شراء كمية نقود من شكل أخر هي ن2, يتم مبادلتها لاحقا بدون المرور بالمسار الإنتاجي مقابل إما الشكل الأول ن1 أو شكل ثالث من النقود ن3. ما يصبع الطابع الريعي على هذه المعادلة هو أنها تمكن القائمين بها من "حق" في الثروة الإجتماعية دون أن يساهموا في إنتاجها بأي شكل من الأشكال ولا يقتصر أمرها على ذلك, بل هي تولد الإضطراب في الإقتصاد الواقعي وتتحكم في توزيع تلك الثروة.

   وبدلا من ممّا قاله ماركس لأسلافهم راكموا راكموا فذلك الله والمسيح يمكننا أن نقول لهم اليوم ضاربوا ضاربوا فذلك الله والمسيح. وإذا كان ماركس قد إعتبر إجراما نسبة ربح تساوي 300 بالمائة فماذا نعتبر نسبة ربح تصل الى 25000 بالمائة نعم 25000 بالمائة فورقة من فئة 100 دولار لا تكلف طباعتها أكثر من 4 سنتات.

 

محمد البلطي

baltym@yahoo.fr


Balises: الأزمة الإقتصادية
image Les commentaires: 0 Affichages: 149 ÉditerÉditer [Histoire des changements] Taille:53100 octet
La page a été modifié: contre-tajrid contre_tajrid il y a 390 jours 14.11.2008 13:29:05
Ajouté parTexte

Entrez exactement le code que vous voyez sur l'image
Votre nom
Adresse électronique
(vu seulement par le propriétaire de site web)
WWW

Sujet

Dans le texte que vous pouvez utiliser wiki ou des balises HTML.



Qui se trouve sur le site web?
Utilisateurs anonymes: 7 Utilisateurs inscrits: 0 (?)
Abus | Hébergé par MaPageVivante | | © Kolobok smiles, Aiwan