حسن المسلمي
نقابي من قطاع الأشغال العمومية والإسكان
السياسة الصحية ومشروع قانون التأمين على المرض
بعد خوصصة المؤسسات الاقتصادية جاء دور مؤسسات الخدمات الاجتماعية لتتم وخصصتها بحيث تتنصل الدولة من أعبائها لتثقل بها كاهل الشغالين وعموم الشعب الكادح وهو الهدف المأمول تحقيقه مما أصطلح على تسميته " مشروع إصلاح التأمين على المرض" وهو مجال حساس كونه يمس صحة الشغالين، فهذا المشروع سيكرس ما يعانيه المواطن حاليا من الخدمات الصحية سواء في الدفوعات أو ظروف الإقامة أو الاكتظاظ الناجمة عن قلة المستشفيات أو ندرة الأدوية أو التصوير أو نسب التأمين المتدنية، وسيفاقم المشروع من وضعية المواطن بإثقال كاهله بالزيادة في نسبة مبالغ المساهمات في الصناديق الإجتماعية وباستثناء عدد أكبر من الأمراض من التغطية إضافة أن الدولة متجهة إلى التفريط في المستشفيات على قلتها حيث وقع إصدار قانون سنة 1991 لإحداث مؤسسات الصحة العمومية ذات الصبغة التجارية وهذا يعني حصول تغيير في نظام التعامل بين وزارة الصحة والصناديق الإجتماعية من نظام الميزانية الجزافية إلى نظام الفوترة كما أدى إلى إحداث العلوم العديلي.
قيمة المعلوم التعديلي بالمستشفى الجامعي
- العيادات : 4.5 دينار
- الأدوية والتحاليل : %20
- الإقامة الإستشفائية : قسمة جزافية لكل نوع من الإمراض
قيمة
المعلوم التعديلي الحالي بالمستشفى الجهوي
- العيادات : 3.5 دينار
- الإدوية والتحاليل : %20
- الإقامة الإستشفائية : قيمة جزافية لكل نوع من الأمراض.
إن إحداث هذا القانون يعتبر مرحلة إنتقالية لهدف تنصل الدولة بالكامل من الصناديق الإجتماعية وإعطاء خدماتها لشركات التأمين وتعد خوصصة الخدمات الإجتماعية بندا من بنود إتفاق الشراكة الإستعماري مع أوروبا وتكريس لإملاءات محور الخراب الإقتصادي والإجتماعي ألا وهي منظمة التجارة العالمية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي لتصفية ما تبقى من مكاسب إجتماعية على ضآلتها وتحول الدولة من دور تعديلي إلى حارس أمين لمصالح الرأسمال الأجنبي والتخلي مع فتح الباب للإستشفاء الخاص الأجنبي وتحول الصحة إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق الرأسمالية المتوحشة.
أسباب إصلاح التأمين على المرض:
وضعت سلطة الإشراف سنة 1996 مشروع إصلاح نظام التأمين على المرض وقد تضمنت " وثيقة شرح الأسباب" التي إستند إليها هذا الإصلاح جملة من المبرَرات نذكر منها :
- تعدد الأنظمة الحالية دون التنسيق بينها وارتفاع مصاريف الصحة وخاصة المحمولة على المواطن.
v 1996 :
§ النسبة المحمولة على الدولة : %34
§ النسبة المحمولة على الصناديق : 16%
§ النسبة المحمولة على العائلات : 48%
v
2006
§ النسبة المحمولة على الدولة : 18%
§ النسبة المحمولة على الصناديق : 24%
§ النسبة المحمولة على العائلات : 55%.
- أنظمة التأمين على المرض :
o
CNRPS
Å
علاج بالقطاع العام أو الخاص.
o
CNSS
Å
علاج فقط بالقطاع العام
o
CREGET
o
Mutuelles
o Assurances groupes : في القطاع العام والخاص
o نظام التأمين على حوادث الشغل والأمراض المهنية في القطاع العام (قانون 21 فيفري 1994).
o
طب الشغل
o
مصالح علاجية في المؤسسات الكبرى
أهداف النظام الجديد للتأمين على المرض
- خلق صندوق موحد للتأمين على المرض : الصندوق الوطني للتأمين على المرض: CNAM.
- إنهاء الفصل بين القطاع العام والخاص.
- إنهاء حالة تعدد وتشعب أنظمة التأمين على المرض وضرب مكاسب بعض الشرائح والفئات للسيطرة على التكلفة المصاريف.
- تمكين القطاع الخاص (أطباء، مصحات خاصة، صيادلة، شركات أدوية) من مزيد اكتساح هذا القطاع وذلك برفع احتكار القطاع الصحي العمومي وإعطاء المنخرطين الحق والاختيار في التوجه إلى القطاع الخاص.
- الدولة : التخفيض من مصاريف العلاج وتشجيع القطاع الخاص.
- خلق مواطن شغل للأطباء والأعوان خاصة أن سياسة الدولة تتوجه أكثر نحو التقليص من الأعوان والحد من الانتداب.
- تكريس التوجهات الليبيرالية الجديدة : فتح السوق أمام الخواص وإكتساح قطاع الصحة.
السمات العامة للوضع الصحي
-
الدولة
- مؤسسات الصحة العمومية: في وضع صعب وأزمة هيكلية وذلك بالتقليص التدريجي للأموال المرصودة لهذه المؤسسات : بنية، تجهيز، لإطار ....
-
الصناديق الاجتماعية
²
صناديق سوداء²،
سوء تصرف، أعراف لا يدفعون، جنة ضريبية للأثرياء : إعفاءات من الخطايا والمساهمات.
-
قطاع خاص
²مافيا
طبية²
وحيف خبائي يثقل كاهل الشعب الكادح (مساهمة الأجراء شهريا بـ75د / مساهمة الأثرياء
بـ70د سنويا) تكريسا لمنطق الربح مع أزمة تشغيل : 2000 طبيب عاطل عن العمل.
- مواطن يدفع 50% من المصاريف وليس له الحق في المساواة أمام المرض والحق في الحياة مع 10% من الأثرياء الذين يستهلكون 14 مرَة مقارنة بنمط عيش الفئات الشعبية
-
غياب خارطة صحية عادلة
- شرائح شعبية بدون تغطية صحية (مليونين).
- أزمة نظام وليس أشخاص : أعوان، أطباء.
الخطوط العريضة لمشروع
لقد صدر بالرائد الرسمي عدد 63 المؤرخ في 6 أوت 2004 القانون عدد 71 لسنة 2004 في 2 أوت 2004 المتعلق بإحداث نظام التأمين على المرض وقد صادق ²مجلس النواب² على هذا القانون وهو بمثابة ضوء أخضر لصدور هذا القانون الذي جاء في 29 فصلا موزعة على 7 عناوين وهي :
- أحكام عامة ويضم 4 فصول من الفصل الأول حتى الفصل 4.
- النظام التعاقدي للتأمين على المرض ويضم 14 فصلا من الفصل 5 إلى الفصل 18.
- الأنظمة التكميلية للتأمين على المرض : الفصل 19 و 20.
- المجلس الوطني للتأمين على المرض ويضم فصلا وحيدا : 21.
- أحكام مختلفة وإنتقالية ويضم بقية الفصول من 26 إلى 29 وحسب ما هو مذكور بالفصل الأول من هذا القانون فقد أحدث نظام التأمين على المرض الجديد مبنيا على ²مبادئ التضامن وتكافئ الحقوق في إطار منظومة صحية متكاملة تشمل الخدمات المسداة بالقطاعين العام والخاص² وسوف أحاول من خلال هذا العرض توضيح دوافع وأبعاد إنشاء هذا النظام لتبيان لمدى تطابقه مع ما جاء بالفصل الأول.
ويعدَد هذا القانون المنتفعين من النظام الجديد كما يعرَف في فصليه 5 و 6 بمحتوى الصنف التعاقدي وكيفية إدارته : فصل 7-8-9، أما بقية الفصول 11 إلى 18 فيتعرض إلى صيغ تنظيم العلاقات بين مقدمي الخدمات الصحية والصندوق الوطني للتأمين على المرض CNAM وكيفية تمويله وصيغ وإجراءات المراقبة الطبية ويعرض في فصله 19 و 20 للأنظمة التكميلية للتأمين على المرض الموجودة أو الممكن بعثها، وخصصت فصوله 22 إلى 26 لتحديد دور الصندوق في الدعاوى التي يمكن أن يقوم بها المنتفعون المتضررون ولضبط حدود مسؤولياته من جهة ولتحديد مقادير العقوبات التي توجبها حالات الإخلال والتحَيل على النظام من جهة أخرى، وحدد الفصل 29 تاريخ صدور القانون أي 6 أوت 2004، أما بقية الأحكام فلن تدخل حيز التنفيذ إلا ابتداء من 1 جويلية 2005 ثم بعد تعطيله من أصحاب المهن الطبية الحرة وليس الإتحاد العام التونسي للشغل إلى جويلية 2008 وذلك بإلغاء جميع الأحكام السابقة والمخالفة لهذا النص الجديد، كما نص الفصل 29 على إلغاء أحكام القانون عدد 86 لسنة 1986 بتاريخ 01 سبتمبر 1986 المتعلق بإصلاح هياكل الضمان الاجتماعي.
نقد المشروع
إن أول ما يلاحظه المطلع على النص طابعه العام حيث يكتفي بالإعلان عن المبادئ العامة تاركا أمر التدقيقات للنصوص التطبيقية اللاحقة أوامر وقرارات مثلما جاء في الفصل 3 ²تحدد بمقتضى أمر مراحل تطبيق أحكام هذا القانون²، الفصل 5 ²وتحدد بمقتضى قرار مشترك بين الوزير المكلف بالضمان الاجتماعي والوزير المكلف بالصحة قوائم الاختصاصات والأعمال الطبية وشبه الطبية²، الفصل 7 ²يضبط التنظيم الإداري والمالي للصندوق وطرق تيسيره بمقتضى أمر²، الفصل 11 ²تضبط صيغ وإجراءات إبرام الاتفاقيات والانخراط فيها بمقتضى أمر²، الفصل 12 ²تتم المصادقة على الاتفاقيات المشار إليها بالفصل السابق بقرار من الوزير المكلف بالضمان الاجتماعي²، الفصل 13 ²الذي يعطي لوزير الشؤون الاجتماعية كامل الصلاحيات في تحديد آليات تكَفل الصندوق بالخدمات الصحية المسداة لفائدة منظوريه من قبل مختلف مقدمي الخدمات المذكورة²، الفصل 14 ²تضبط بمقتضى أمر قاعدة احتساب الاشتراكات ومراحل تطبيعها²، الفصل 17 ²تضبط بمقتضى أمر صيغ وإجراءات ممارسة هذه المهام²، الفصل 20 ²كما يمكن بصفة استثنائية وعند الضرورة أن يتكفل الصندوق بإدارة نظام تكميلي بناء على قرار مشترك بين الوزير المكلف بالضمان الاجتماعي والوزير المكلف بالمالية²، الفصل 21 ²وتحدد بمقتضى أمر تركيبة المجلس ومهامه وإجراءات تنظيمه وطرق سير أعماله² والفصل 26 ²الأنظمة القانونية لاسترجاع المصاريف الجاري بها العمل عند تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ وذلك وفق صيغ تحدد بمقتضى أمر².
وهكذا فإن صيغ وتراتيب تطبيق هذا النظام الجديد ستكون في الحقيقة من مشمولات السلطة التنفيذية أي الحكومة ومعلوم أن الإتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات إختصاصات المهن الطبية كانت عارضت المشروع في نسخته الأولى لما احتوته من تفاصيل تكشف عن حقيقة أبعاده لذلك إستبدلته الحكومة في الجولات الأخيرة من التفاوض بمشروع تعميمي لتسهيل تمريره تاركة لنفسها إمكانية إستصدار النصوص التطبيقية حتى وإن كلفت لجانا مختصة تحت تأثير سياستها لوضعها، ثم إلى جانب ذلك عمدت الحكومة إلى عقد إتفاقيات ثنائية للموافقة عليه في صيغته الأخيرة وكانت الهيئة الإدارية للإتحاد قد مررت هذا المشروع المتناقض مع مصالح الشغالين رغم معارضة قطاعات عريضة وجهات لها وزنها وثقلها النقابي داخل إتحاد الشغل، فيما بقيت بعض منظمات الأطباء رافضة له وعيا منها بخطرة هذا التمشي وبسلبية النص نفسه على مصالحها الطبقية خاصة في طريقة الخلاص، مما أجبر الحكومة على تسريع وتيرة المشاورات مع هذه الأطراف وذلك بالتئام اللجنة الوطنية على المرض التي سجلت نسبة من الوفاق حول المبادئ والأهداف العامة خاصة لما وقع تمَثل مصالح هذه الفئات من الحكومة من خلال إصدار الصندوق الوطني للتأمين على المرض لمنشور يتعلق بالمرحلة الأولى من تطبيق نظام التأمين على المرض بداية من جويلية 2007 وذلك بإخضاع صيغة الطرف الدافع Tiers payant إلى موافقة الطبيب المباشر للمضمون الإجتماعي حيث جاء في وثيقة الصندوق حول هذه المسألة ما يلي ²وفي صورة إختيار لطبيب واحد متعاقد مع الصندوق المباشر لحالتك الصحية في إطار المرض المؤمَن الذي يتكفَل به الصندوق، فإنَه بالتنسيق مع طبيبك المباشر إختيار صيغة الطرف الدافع وعليك أن تعمَر رفقة طبيبك المباشر الذي قبل ذلك مطلب إنتفاع بصيغة الطرف الدافع وإيداع أو توجيهه لأقرب مركز تابع للصندوق في أجل 30 يوما الموالية لتاريخ توقيعه².
إن هذا النص يؤسس لبداية الإلتفاف على القانون حتَى صيغته الحالية مما يطلق أيادي الأطباء في التحكَم بإختيار المضمون الإجتماعي للطرف الدافع ويمكنه بالتالي أن يرفض أو يقبل هذا الإختيار في حين أن الطبيب المتعاقد يجب عليه أن يكون ملتزما قانونا بما أمضى عليه في الإتفاقية وهو قبوله لصيغتي الطرف الدافع وإسترجاع المصاريف دون أن يكون له أي رأي أو موافقة أو رفض لإختيار المضمون الإجتماعي لإحدى الصيغتين، خاصة أن الإتفاق بين الإتحاد وصندوق التأمين على المرض يعتبر أن صيغة الطرف الدافع تعدَ ركنا أساسيا في التأمين على المرض بالإضافة إلى التمويل ودعم القطاع العام والخارطة الصحية وهي مبادئ عامة وفضفاضة محكومة بموازين قوى مختلَة وفي صالح السلطة خاصة أمام غياب إستراتيجية نضالية وأشكال مواجهة : تجمَعات، إضرابات، إعتصامات.
إن الهدف الرئيسي من القانون للتأمين على المرض هو القضاء نهائيا على مبدأ المجانية في العلاج.
الأبعاد الحقيقية لهذا المشروع
لخصت الحكومة دواعي وأسباب إعتزامها إدخال إصلاحات على نظام التأمين على المرض ضمن خطتها الرامية بإصلاح أنظمة الضمان الإجتماعي والتقاعد في جملة من الإستنتاجات والمبادئ التي أقرَها المجلس الوزاري المضيَق في 16 فيفري 1996 إنطلاقا من نتائج للدراسات المنجزة في الغرض.
فقد توصلت الدراسات التي أذنت بها الحكومة تمهيدا لوضع مشروعها إلى جملة الملاحظات والتوقعات بناء على إستقراء معطيات التطور الإقتصادي والإجتماعي وخاصة التحولات الديمغرافية التي تقدم عليها البلاد في أفق 2029 وما سينجرَ عنها في مجال تمويل الضمان الإجتماعي وكذلك التطورات الإقتصادية والإجتماعية المرتقبة وإنعكاسها على عالم الشغل ²شركات المناولة، مرونة التشغيل، تفكيك القطاع العمومي، تبني إقتصاد السوق بتحرير قانون الشغل وإخضاعه للعرض والطلب² وقدرة الدولة على التحكَم في ²فخَ المديونية² (5 آلاف مليون دينار 1987 / 20000 مليون دينار 2004) وإنعكاسه على النفقات الإجتماعية بما فيها نفقات الصحة والضمان الإجتماعي، فلقد تطورت النفقات الصحية لتبلغ 1672 مليون دينار سنة 2002 مسجلة نسبة إرتفاع سنوية تزيد عن 10% تتحمَل الدولة ثلثها لتغطية مصاريف العلاج ²المجاني² لفائدة 162 ألف عائلة معوزة (أو تحت خط الفقر) ولأكثر من 15 ألف عائلة أخرى لا تساهم في مصاريف علاجها إلا بنسبة محدودة فقط، وتتحمَل الصناديق الإجتماعية من هذه النفقات 20% ومن المنتظر أن تبلغ هذه المصاريف مع حلول سنة 2019 أكثر من 6500 مليون دينار، ستكون حصة الصناديق منها حوالي 2800 مليون دينار سنويا لذلك وبالنظر للتحولات الجارية على هرم السكان أي التقلص التدريجي لنسبة الشباب مقابل إزدياد نسبة المسنين الأكثر إستهلاكا للأدوية والخدمات الصحية وتسارع وتيرة البطالة لتشمل أكثر من 42% من السكان النشيطين والمعطلين عن العمل فإن الصناديق الإجتماعية ستجد نفسها عاجزة عن تغطية طلبات منخرطيها وإلى جانب ذلك باتت الحكومة واعية بالإنخرام الذي عليه قطاع الصحة والمتمثل في ضعف التمويل المرصود له ذلك أن ميزانية وزارة الصحة التي تقدَر بألف مليون دينار غير كافية لسدَ حاجيات هذا القطاع علما أن هذه الميزانية لا ترتفع بصورة متوازية مع إرتفاع تكاليف الصحة التي تبلغ في جميع البلدان نسبة تناهز 10 إلى 15% بالنظر لظهور أدوية ومعدات جديدة يتم شرائها بالعملة الصعبة وترتفع أثمانها بصورة متواصلة وعلى سبيل المثال فإن ميزانية 2004 زادت عن ميزانية 2003 بـ 33 مليون دينار وهو إرتفاع ضعيف بالنظر للحاجات الكبيرة، بل بالعكس فإن الأموال المرصودة للداخلية وتضخم الجهاز الأمني (وسائل قمعية وإنتداب يفوق بكثير عناوين الميزانية المرصودة للصحة والتعليم مثلا)، فالدولة ما فتئت تتذمَر عبر أجهزة تضليلها الإعلامي من إرتفاع تكاليف الصحة وعزمها على التخلي عن دورها في دعم القطاع الصحي العمومي وهنالك العديد من المشاريع والتجهيزات والبناءات المتوقفة نظرا لقلَة التمويل وشحَ الموارد.
لهذه الأسباب رأت الحكومة ضرورة إعادة هيكلة نظام التغطية والضمان الإجتماعي لإعداد الصناديق للأوضاع المنتظرة ومقارنة بالبلدان الأخرى تعتبر الحكومة أن تونس متخلفة في مجال إصلاح نظام الضمان الإجتماعي لذلك وجب التسريع في إجرائه وضعه موضع التنفيذ ويهدف هذا الإصلاح كما جاء في الوثائق وفي التصريحات الرسمية إلى ²إرساء نظام ينبني على مبدأ تكافئ الحقوق عوضا عن مبدأ المساواة والمجانية ويضمن التحكم في الكلفة وتحقيق أقصى درجات النجاعة وإقتسام المسؤولية بين جميع الأطراف وتخفيف كاهل الدولة والصناديق الإجتماعية²، فالواضح إذن أن هدف هذا القانون الرئيسي هو القضاء نهائيا على مبدأ ²المجانية² في العلاج وهو ما يعني تخلي الدولة عل دورها في ضمان ما تبقى من علاج مجاني للمواطن وهدفها أيضا القضاء على مبدأ ²المساواة² وإستبداله بمبدأ ²التكافؤ² أي جعل حق المعالجة والتداوي ممكنا لكل مواطن لكن حسب موقعه الطبقي وبحسب ظروفه (سكناه وطبيعة نشاطه ومستوى دخله) فلا مجال إذن بعد اليوم للحديث عن مجانية أو مساواة في مجال الصحة الذي لم يعد خدمة إجتماعية تتحملها الدولة بقدر ما هي بضاعة لها قيمة تتداول ويحددها السوق بما أن النظام الجديد للتأمين على المرض وضع ضمن أهدافه الأساسية ²التحكم في الكلفة وتحقيق النجاعة² فتحت شعار ²إقتسام المسؤوليات بين جميع الأطراف² أي في نهاية المطاف بين الدولة وأصحاب المؤسسات الصحية الخاصة والمستثمرين في المصحات ومستقبلا في المستشفيات وبين المواطن حيث صار مطلوبا منه تحمَل كامل تكلفة العلاج للتخفيف على الدولة وعلى الصناديق الإجتماعية وفي هذا الإطار تمت مراجعة المقاييس المعتمدة لتحديد ما يسمَى بالعائلات المعوزة للتقليص من عددها في مرحلة أولى من 162 ألف إلى أقل من 120 ألف فقط، أما بالنسبة للذين كانت الدولة تتحمَل نسبة من نفقات علاجهم فستقع دراسة وضعيتهم على أن يقع في بحر الثلاث سنوات القادمة إيجاد صيغة لتخريطهم بالصناديق الإجتماعية لتكفَ الدولة نهائيا عن تحمَل النسبة التي كانت تتحمًلها وحتَى أعوان الصحة العمومية الذين يتمتعون بمجانية التداوي فالبحث جار حول كيفية حذف هذه المجانية، فقط أعوان البوليس والجيش و²المقاومون² القدامى سيواصلون التمتع بمجانية التداوي ومعلوم أن الدولة قطعت أشواطا هامة في هذا المجال منذ أن حولت المستشفيات العمومية إلى مؤسسات تحدد سعر خدمتها (العيادات والعمليات والأدوية).
وفي هذا الإطار سيكف الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي عن بعث المصحات بل ويتعين إعادة هيكلة المصحات الحالية الراجعة له بالنظر على غرار المستشفيات العمومية وتحويلها إلى مؤسسات للصحة العمومية تتمتع بالإستقلالية الإدارية والمالية لتحقيق توازنها المالي بما يعني التخلي عن مجانية العلاج لمنخرطي الصندوق ومراجعة أسعار خدمتها وفق مقتضيات التوازن المالي المنشود وفي هذا الصدد أدرجت الحكومة في مشروع نظام التأمين على المرض الجديد جملة من الإجراءات لمراجعة قواعد تمويل الصحة العمومية من أهمها تعميم مبدأ فوترة كل خدمة صحية حسب تكلفتها الحقيقية وإرساء علاقة مزاحمة تجارية بين المؤسسات الصحية العمومية والخاصة بما في ذلك مصحات الـCNSS وسيقع في البداية تعديل الأسعار ثم وفي مرحلة ثانية سيتم تحريرها نهائيا ولبلوغ أقصى درجات النجاعة في النظام الجديد وهو الوسيلة الأمثل ²للتحكم في الكلفة² حسب تفسير الحكومة لذلك سيقع إرساء نظام تعاقد كقاعدة لعلاقات الصناديق بمقدمي الخدمات الصحية.
إن ما يخشى من هذا النظام الجديد هو أن لا يتوفر العدد الكافي والإختصاصات المطلوبة في كل الجهات على حد سواء وخاصة في الجهات الداخلية فضلا على أن التعاقد مع الأطباء قد تتحكم فيه تقاليد ²المحسوبية والمعارف² والأكيد أنه في ظلَ الخارطة الصحية الحالية فإن عديد الجهات الداخلية والنائية لن تتوفر على العدد الكافي من الأطباء والإختصاصيين اللازمين للتعاقد مع CNAM علما وأنه على المريض اللجوء مسبقا وإجباريا إلى الطبيب العام أو عند الإقتضاء توجهه إلى طبيب مختص (عدا التوليد وطب الأسنان والأطفال والعيون)على أن يظلَ ذلك الطبيب دوما هو محور العلاج بالنسبة للمريض وعائلته وهو ما يحدَ من حرية المواطن في اختيار طبيبه واستبداله عند الضرورة، ومن الإجراءات المزمع اتخاذها تحت عنوان التحكم في الكلفة تصنيف الأدوية إلى أربعة أصناف على أن يتكفَل الصندوق بالتعويض عنها كل صنف بنسبة معينة وبصورة تصاعدية (أساسية وغير أساسية) لكن حسب الأسعار المرجعية للأدوية الأقل ثمنا وإلزام الأطباء بمراجع طبية ملزمة ومراقبة الصندوق عند التعويض عن الأدوية الموصوفة وفقها والسماح للصيادلة باستبدال الأدوية الموصوفة من قبل الطبيب المعالج وهي صيغة رفضها الأطباء ويمكن أن تكون مدخلا لعدم التعويض عن الأدوية الباهظة الثمن أو الكثيرة الإستعمال وسيجد المواطن بالتالي نفسه مجبرا تدريجيا على التكفل بنفقات هذه الأدوية على نفقته الخاصة، وكما هو ملاحظ جاء النظام الجديد للتأمين على المرض بسلسلة من الإجراءات وهي مرشحة للتفاقم بعد صدور النصوص التنظيمية لتقييد حرية المواطن في إختيار طبيبه وحقه في العلاج المجاني أو حتى بتكلفة في مستطاعه تحملها وكذلك تقييد مجال تدخل الصناديق الإجتماعية والضغط على الخدمات التي تسديها لفائدة منخرطيها، كل ذلك من أجل أمرين أساسيين هما تخلص الدولة من نفقات العلاج ومن خدمات الصحة عموما وثانيا تحويل الصناديق الإجتماعية إلى مؤسسات تجارية بحتة.
إن المواطن الذي يسدد جزءا من نفقات علاجه ضمن ما يقتطع من مساهمات مباشرة من أجرته أو بصورة غير مباشرة عند الإستهلاك (الأداء على الإستهلاك والأداء على القيمة المضافة TVA) ويسدد جزءا آخر من نفقات العلاج عند خلاص رسوم التسجيل عند العيادة أو الكشف ويسدد جزءا آخر عند دفع ثمن المعالجة أو الإقامة بالمستشفى أو المصحة مطالب اليوم كما جاء في القانون الجديد (الفصل 15) بـ :
- الترفيع في نسبة الخصم من أجره لفائدة الصندوق الجديد CNAM بـ2.75% إذا كان أجيرا أو دفع 6.75% كاملة إضافية إذا كان عاملا لحسابه الخاص (مهنة حرَة) مقابل خدمات أقل قيمة وأسوأ نوعية مما كان يتمتع به في النظام القديم.
- مواجهة أسعار خدمات صحية معدَلة ثم محرَرة تماما لا يراعى في تجديدها سوى التوازن المالي للمؤسسة الصحية العمومية والخاصة.
- إسترجاع مقادير أقل من المصاريف التي يدفعها على العلاج لدى الطبيب أو المؤسسة المعالجة.
ورغم أن الإتحاد قبل بفحوى وإجراءات النظام الجديد فإن عديد الهياكل النقابية والقطاعية والجهات ما تزال رافضة لهذا المشروع الذي يعمل على رهن القطاع الصحي للربح الرأسمالي الأجنبي والمحلي وهو ربح مجرَد من كل جانب إنساني فضلا على أن تبعية القطاع الصحي للرأسمال الأجنبي ستضاف إلى التبعية الإقتصادية والسياسية ويخلو رد الإتحاد من برنامج عملي ونضالي للتصدي في حالة أن السلطة لم تلبي المطالب الدنيا للإتحاد وهي : التمويل، الخارطة الصحية، دعم القطاع العمومي للصحة، ولذلك لابدَ من تشريك الشغالين وتعبئتهم عبر الإجتماعات والتجمَعات والإضرابات القطاعية للتصدي لهذا المشروع وإعادة طرحه على جدول أعمال الحركة النقابية والقطع مع آلية التفاوض الحالية وإستعادة سلاح الإضراب كوسيلة للدفاع عن منظومة صحية متطورة تخدم مصالح الشغالين وعموم الشعب وذلك باعتبار أن الإستقلالية والديمقراطية والنضالية هي محور الصراع مع السلطة والأعراف والانتصار ²للنقابة المناضلة² ضد ²النقابة المساهمة² التي تسعى لإدارة أزمة السلطة في الحركة النقابية، وفي انتظار تكريس هذا القانون فعليا يجري الآن الإعداد للنصوص التطبيقية في إطار اللجان المختصة ليقع الكشف على حقيقة الإجراءات التي تنتظر الشغالين لينعموا بثمار الليبرالية الإقتصادية ومعنى الرفاهية التي وعدتهم بها المؤسسات المالية العالمية النهابة والمؤتمرين بأوامرها.
إن ربط العلاج بالثروة إمتهان فضيع للذات البشرية لأنه يربط في نهاية الأمر الحق في الحياة بهذه الثروة وهو ما يبرر مرة أخرى الطبيعة الوحشية للرأسمالية خصوصا في صيغتها ²المعولمة² المهيمنة حاليا على شعوب العالم وأممه المضطهدة.
حسن المسلمي
نقابي من قطاع الأشغال العمومية والإسكان




