أيوب أيوب
من دروس الحوض المنجمي
الجزء الثاني
تونس جويلية 2008
سنواصل في هذا الجزء الثاني محاولة رصد أهم دروس تحركات الحوض المنجمي. ومثلما أسلفنا في الجزء الأول فان طموحنا ليس بناء "نظرية خاصة" بهذه التحركات، بل وضعها في سياقها الفعلي، أي كجزء من الحركة التاريخية العامة لطبقتنا الكادحة في صراعها المرير ضد هذا النظام الرأسمالي العالمي المتفسخ. فتزامن هذه التحركات مع موجة عالمية من الانتفاضات شهدتها خاصة بلدان مثل مصر، المغرب، اليمن، نيجيريا، هايتي، الصين (إقليم التبت)، الهند، جنوب إفريقيا...الخ، إضافة لمجموعة من الإضرابات الضخمة التي شهدتها البلدان الأوروبية، وحتى دولة مثل الإمارات التي يتم تصويرها عادة على اعتبارها جنة خليجية لم تسلم هي ايضا من حمى الإضرابات، رغم المنع القانوني لأي نشاط نقابي في هذا البلد. هذا، إذا أضفنا لكل ذلك الانتفاضة المسلحة شبه اليومية التي تعيشها العراق منذ أكثر من خمس سنوات، والتي لا تزال تشق طريقها بشبه أعجوبة في مواجهة سواء قوات التحالف الامبريالي وأجهزة القمع المحلية المرتبطة بها أو الأطراف الدينية والقومية (الكردية والعربية). إضافة لما تقوم به البروليتاريا في فلسطين من مواجهة أسطورية لآلة الحرب الصهيونية وأجهزة قمع ما يسمى ب"السلطة الفلسطينية" أو نظيرتها في قطاع غزة من "عسكر" حماس والجهاد وغيرها من الأطراف اليمينية والشوفينية. في هذا الإطار العام، فان تحركات الحوض المنجمي لا تمثل استثناء أو حدثا عارضا، وليست لها، في هذا الإطار، أية خصوصية، وكل حديث عن خصوصية في هذا الشأن، مثلما أسلفنا، إنما يصب في طاحونة الدعاية البرجوازية لعزل هذه التحركات و محاصرتها. لكن في المقابل، فان أي حركة لطبقتنا الكادحة، مهما كانت محدودة وجزئية (في الزمان والمكان) فإنها لا شك تقدم لنا دروسا جديدة، وتساهم في مزيد تجذير الخط الثوري وتصليب عود القوى الثورية، فالبرنامج الثوري والتنظيم الثوري لم يكونا ولن يكونا من صناعة أولائك البرجوازيين الصغار، في غرف مغلقة وحلقات سكتارية حتى وان سمت نفسها أحزابا شيوعية أو يسارية، بل هما نتاج طبيعي لحمى الصراع الطبقي، يولدان في لظاه، وينموان في سعيره. وليس جديدا أن أهم الإشكاليات البرنامجية تاريخيا ما كانت لتحل إلا في فترات احتداد الصراع الطبقي والنهوض الجماهيري العام.
لا شك وأننا لا نحمل وهما حول طبيعة المرحلة الراهنة، من حيث أنها ليست مرحلة ثورية، وان وطأة الهزيمة وسحق أهم انتفاضات الطبقة العاملة في الفترة الممتدة من 1917 إلى 1923 مازالت تنيخ بكلكلها على رقاب البروليتاريا. وان الانتصار المدوي لخط الثورة المضادة لا يزال يرن صداه في أوسع الأوساط العمالية وخاصة مناضلي الطبقة العاملة الأكثر صدامية. فمصطلحات مثل "الثورة الشيوعية" أو "ديكتاتورية البروليتاريا" أو شعارات مثل "القضاء على العمل المأجور والملكية الخاصة" أو "مواجهة إرهاب الدولة بالإرهاب الثوري والعنف الجماهيري" ....الخ بالكاد بدأت تستعيد تداولها في صفوف المناضلين، وبالكاد بدأنا نستفيق من إيديولوجيا "نهاية الإيديولوجيات" و"نهاية التاريخ" و"نهاية الصراع الطبقي" .... لكل ذلك فان كل حركة صراع طبقي في المرحلة الراهنة مهما كان حجمها، لها أهمية خاصة، وتأتينا أخبارها بمثابة نفحة من هواء نقي، وهي بقدر ما ترعب البرجوازية وتدفعها لاستخدام كل الوسائل من اجل عزلها ومحاصرتها وقمعها، فإنها تدفع القوى الثورية، مهما كان وضعها إلى تركيز كل الجهود من اجل التعريف بها واستخلاص وتعميم دروسها.
سنواصل إذا في تقديم شذرات من قراءتنا لتحركات الحوض المنجمي معتمدين، مثلما فعلنا في الجزء الأول، على منهج جدلي يرى في الحركة كوحدة صراعية بين نقاط القوة (عناصر الثورة) ونقاط الضعف (عناصر الثورة المضادة). ونقاط القوة لا توجد بمعزل عن نقاط الضعف بل إنهما يندغمان في أتون الصراع بحيث يبدوان للعين البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، للمنهج الستاتيكي، كوحدة تماثلية، فيقع إما تضخيمها إلى حد تظهر فيه وكأنها عشية الثورة، أو كأنها حركة ثورية خالية من كل شوائب تأثير الإيديولوجية البرجوازية. وإما تقزيمها بحيث يتم إفقادها حتى لطابعها الطبقي بالتركيز على نقاط ضعفها (طبيعة المطالب مثلا) إن كلا هذين الانحرافين يمثلان إعداما للحركة نفسها، إما بالدفع بها نحو المغامرة والارادوية، أو الإلقاء بها، بكل بساطة، في سلة مهملات التاريخ. بالنسبة للمنهج الجدلي فانه لا يتم الحكم على الحركة من خلال اليافطات الإيديولوجية التي ترفعها، بل من خلال حركتها الفعلية الواقعية، وبهذا المعنى فان تحركات الحوض المنجمي ليست سوى حركة صراع طبقي، حركة البروليتاريا بكل ما في الكلمة من معنى، لكن ذلك لا يعني أن كل شعاراتها وممارساتها تصب في الاتجاه الثوري. بل نستطيع أن نجزم، بلا خوف من الخطأ، أن كل مطالبها كانت في الواقع ضد المصلحة المباشرة والتاريخية للبروليتاريا. وهذا ما سنحاول تبيانه الآن.
في نقد المطالب العامة للحركة:
1) مطلب التشغيل:
من اجل أن نعيش ونواصل حياتنا البيولوجية علينا أن نستهلك، ولكي نستهلك يجب أن نوفر المال، وتوفير المال مشروط بالحصول على شغل، والحصول على شغل يتطلب حدوث تلك "الصدفة الموضوعية" بحيث يعترض سبيلنا احد الأعراف (خواص أم دولة) يقبل بشراء قوة عملنا، هذه الصدفة الموضوعية مشروطة بازدهار المؤسسة والاقتصاد الوطني أو ما يسمى بالتنمية والتقدم. في الخلاصة فان حياتنا مرتهنة، ليس بإرادتنا ونشاطنا ومجهودنا الشخصي، بل بالمردودية الاقتصادية، بإمكانية توفر الربح...الخ من العوامل الاقتصادية الخارجة عن نطاقنا. لذلك فان رأس المال الذي لا يجد أي إمكانية ربحية في مواصلة استخدامنا، وبعد أن يكون قد امتص آخر عرق في عضلاتنا وأعصابنا، لا يجد حرجا في إلقائنا في الشارع كقواقع فارغة، ولا يهمه في ذلك إن كنا سنموت جوعا أو أن نتحول إلى متسولين لدى المنظمات الخيرية وصندوق التضامن.... فيا للمفارقة، إذ أننا، ولكي نعيش، علينا أن ندافع عن ماذا؟ عن المؤسسة، عن الاقتصاد، عن المردودية والقدرة التنافسية، أي أننا نناضل، لا ضد النظام الاقتصادي (الرأسمالي) الذي هو سبب بؤسنا وشقائنا، بل من اجل هذا النظام بالذات، من اجل "التنمية الجهوية"، من اجل "دفع الاستثمار"......
هذه المفارقة، هي في الواقع تعبير عن هيمنة الايدولوجيا البرجوازية في صفوفنا، في أننا لم ننظر للأشياء والعالم من زاويتنا الطبقية بل من زاوية نظر عدونا. فنحن إذ نطالب بالتشغيل، ليس لأننا نحب بالفعل أن نعمل عند أسيادنا، بل لأننا لا نرى أي إمكانية أخرى للحصول على جزء اكبر من الإنتاج الاجتماعي إلا عن طريق العمل، عن طريق التضحية بالجزء الأهم والأعظم من حياتنا. العمل، وبالتالي المال، هما الواسطة "الطبيعية" التي توصلنا/تفصلنا إلى/عن الإنتاج الاجتماعي. لذلك فإننا عندما نطالب بجزء اكبر من الإنتاج الاجتماعي، فإننا نطالب بالشغل، بالزيادة في الأجور، باعتبار وان العمل والمال يبدوان لنا كوسائط "طبيعية" وليست ظواهر اجتماعية تاريخية لم تكن موجودة دائما (في المرحلة الشيوعية الأولى مثلا) وان وجودها الراهن لا يعدو أن يكون وجودا عابرا (بالمعنى التاريخي) فتطبيعنا لهذه الظواهر التاريخية (العمل المأجور، المال، الملكية الخاصة، البضاعة، القيمة...الخ) يحجب عنا، أولا، أن هذه الظواهر هي جزء من نظام اجتماعي اقتصادي سياسي هو سبب مصائبنا، سبب حرماننا من الجزء الأعظم من الإنتاج الاجتماعي (الذي هو إنتاجنا كطبقة اجتماعية) وبالتالي فان نضالاتنا، بفعل هذه الإيديولوجية الخاطئة، سريعا ما تتحول إلى حماية لرأس المال ونظامه، سريعا ما ترتد ضد أهدافنا المباشرة منها والتاريخية. ثانيا، أننا، وبدل أن نتجه صوبا لتلبية حاجاتنا المباشرة والإنسانية من الإنتاج الاجتماعي ( مثلما نفعل أحيانا، باقتحام مخازن مواد الغذاء، بالاستيلاء على الأراضي والمساكن، أي كل تلك الخطوات الأولى نحو تحررنا الفعلي...) فإننا نخضع لتلك الواسطة الوهمية التي هي (المال والعمل) معتقدين أن ذلك سيجعل من وضعنا أفضل، وأننا باحترامنا للمقدسات الاجتماعية البرجوازية، باحترامنا للملكية الخاصة (والعامة) والعمل والقيمة والبضاعة وغيرها من تمثلات نظام الاستغلال الطبقي، يمكن أن نحرر أنفسنا من الجذر العميق لبؤسنا. هذه الايدولوجيا البرجوازية المهيمنة في صفوفنا تجعل من وضع مطلب "التشغيل" الذي رفعته الحركة موضع السؤال شيئا غير مفهوم بتاتا للجمهور الواسع وحتى ضمن الدائرة الضيقة للمناضلين. ويجعل من حركتنا الطبقية، بهذا الوعي المقلوب، تراجيديا فعلية، حيث أننا نطالب بماذا؟ بالشغل، أي أننا نطالب بالماكينة التي تنتج وتعيد إنتاج الطبقية والاستغلال الطبقي، والفقر والبؤس والبطالة وغيرها من الكوارث التي كنا قد انتفضنا ضدها بالذات. وكأننا في حلقة جهنمية فارغة: نناضل من اجل إعادة إنتاج موسعة لما ناضلنا ضده....
إن بؤسنا سببه العمل المأجور، الملكية الخاصة (والعامة)، المال كواسطة وكوجود اجتماعي وهمي، منطق الربح والمردودية الاقتصادية... إذا لم نتجه ولو جزئيا، للقضاء على هذه الأسباب التي يمكن تلخيصها، ببساطة، في: النظام الرأسمالي،إذا لم نتجه صوب ما يدمرنا: الطبقية والاستغلال الطبقي، فإننا سنجد أنفسنا في آخر التجربة قد حافظنا على مقومات بؤسنا، حتى وان قدمت لنا البرجوازية بعض التنازلات التي قد تكون "انتحارية" أحيانا، من اجل الحفاظ على ما هو أهم: النظام الرأسمالي في كليته.
لكن في المقابل، فإننا لن نصل إلى هدفنا النهائي، بدون هذه التجارب الجزئية، والتي تبدو وكأنها عدمية وبلا جدوى. لذلك فان الشيوعيين لا يقفون فوق الربوة، واعظين الناس بعدم النضال من اجل ما يسمى بحق الشغل، والذي ليس سوى الحق في أن ننهب ونستغل وتمتص دماؤنا، بل إنهم يعملون من اجل أن يكونوا في طليعة الحركة (تنظيما، تأطيرا وقيادة) بدون أن يتخلوا عن نقد الحركة، نقد حدودها ومظاهر عجزها، بدون أن يكفوا عن الصراع ضد الإيديولوجية البرجوازية المتغلغلة وسط الجمهور، أي عدم الارتهان لديمقراطية الأغلبية، والحس المشترك بل إلى البرنامج التاريخي العام، إلى الأهداف التاريخية التي ليست إنتاجا مباشرا لتلك الحركة بل هي محصلة للمسار التاريخي لحركة تهديم النظام في كليته التاريخية، لاستتباعات ودروس تجارب كل نضالاتنا السابقة وخاصة محطاتها التاريخية الكبيرة.
ما قدمناه ليس نقاشا "نظريا"، انه احد معضلات النضال التي يواجهها المناضلون عندما يجدون أنفسهم وسط حركة جماهيرية ترفع مطالب مباشرة ذات جوهر برجوازي، أي معادي في الجوهر للمصلحة المباشرة والتاريخية للطبقة الكادحة نفسها مثل مطلب "التشغيل" الذي رفعته تحركات الحوض المنجمي والذي حاولنا تبيان تناقضه مع المصالح العامة للبروليتاريا وعموم الكادحين. هل نسلم منذ البداية بان هذه الحركة ليست حركة ثورية، وبالتالي مجبرون إما على تركها وشانها (باعتبارها حركة إصلاحية مثلما يقول البعض) وإما الخضوع لاصلاحيتها تلك، أي الارتهان لعجزها ذاك؟ إن عدم الوضوح الكافي في الإجابة عن مثل هذه الأسئلة هو احد أسباب عجزنا عن تمثل مثل هذه التحركات والفعل الحقيقي فيها، وبالتالي ترك المجال لقوى الثورة المضادة، للإصلاحيين من كل حدب وصوب، للاستيلاء على هذه الحركة وتوجيهها وجهة ثنائيات استقطاب برجوازية. صحيح أن شعار "التشغيل"، ومثلما بينا سابقا، ليس سوى تمجيد ضمني للرأسمالية، أي لعدونا الحقيقي، غير أن الجماهير عندما ترفع مثل هذا الشعار إنما تهدف واقعيا لإعادة طرح السؤال حول حصتها من الإنتاج الاجتماعي، وهذا، ولو جزئيا، خطوة في اتجاه وضع النظام الاقتصادي ككل موضع السؤال والاتهام، غير أن هيمنة الإيديولوجية البرجوازية (لاتزال هي الإيديولوجية المسيطرة) تجعل منا لا نرى كيفية أخرى للحصول على جزء اكبر من الإنتاج الاجتماعي إلا عن طريق الشغل وتحسين الأجور لذلك فإننا نطالب بالشغل وتحسين الأجور باعتبارهما الوسيلة الوحيدة المتوفرة (هي بالفعل الوسيلة الوحيدة في ظل النظام الرأسمالي) لأخذ نصيب اكبر من الإنتاج الاجتماعي. هكذا نفهم الطبيعة الثورية فعليا للحركة والطبيعة الرجعية للشعار. وهذا ما يجعل الشيوعيين يساهمون بأقصى مجهودهم في هذه الحركة طالما لاتزال تمارس فعليا في خطها الثوري ذاك. في المقابل فان الشعار الإيديولوجي الخاطئ سيتحول مع تطور الأحداث إلى عائق أمام الحركة وسيطرح على الحركة خياران: الأول أن تحسم نفسها وتتجاوز إعاقتها تلك وهذا سيدعو المناضلين لمواصلة المشاركة فيها. والثاني أن تعجز الحركة عن تجاوز هذا العائق إما بسحقها الدموي أو التذيل وراء هذا القطب البرجوازي أو ذاك. وفي هذه الحالة فان المناضلين الشيوعيين لا يملكون إلا الانكفاء على استخلاص الدروس والتحضير للمعركة القادمة.
لا شك وان الذهاب في احد الخيارين المذكورين يرتبط رئيسيا بمدى قدرة الحركة على الامتداد في الزمان وخاصة في المكان، وتحركات الحوض المنجمي وان استطاعت نسبيا الامتداد في الزمن، مثلما فصلنا في الجزء الأول، فإنها عجزت عن التوسع خارج منطقة الحوض المنجمي، وهذا عامل ومؤشر مهم في عملية حسم الصراع بين الخيارين.
يبقى من المهم التذكير بان الحسم الدموي لهذه التحركات يعتبر، رغم ما يمثله لنا من خسارة فادحة، مؤشرا ايجابيا، من حيث عجز السلطة (والأطراف الدائرة في فلكها) على إنهاء التحركات على طريقتها، أي بحلول ترقيعية، وهمية، هي من فئة الحلول البرجوازية التي تؤشر عادة لمرحلة سلم اجتماعية طويلة قادمة. وهذا يعني أن الجرح بقي مفتوحا، وان إمكانية عودة التحركات أو فتح بؤر جديدة للنضال تبقى واردة، وهذا ما نرجحه في الوقت الراهن، وهو ما يدفعنا إلى دعوة المناضلين لمزيد التوحد، لمزيد رص الصفوف، لمزيد تجذير الخط الثوري، لمزيد التحضير للمعركة المقبلة، وتلافي أخطائنا السابقة.
2) في "التنمية الجهوية":
بدون الدخول في تفاصيل الأرقام والإحصائيات، فان معاينة بسيطة تحيلنا على الوضع الكارثي الذي تعيشه جماهير المناطق المسماة داخلية (قفصة، القصرين، الكاف....) وهو بالفعل وضع خصوصي، بمعنى انه، وفي مثل هذه المناطق، تتكثف كل فظاعات "المعجزة الاقتصادية التونسية": نسب بطالة قياسية، سوء تغذية، فقر، تلوث... إنها لوحة سريالية بالفعل لبشر ألقت بهم ماكينة "التنمية" و"التقدم" إلى حافة الهاوية.
المشكلة ليست في الإقرار بهذا الواقع، الأجهزة الرسمية نفسها تقر بذلك، فالبؤس اسطع من أن يتم إخفاؤه. السؤال الفعلي هو: من المسؤول عن ذلك؟ هل نقص ما يسمى بالتنمية، أم التنمية نفسها هي المسؤولة عن الكارثة؟ أو بلغة أكثر دقة، هل أن نقصا في الرسملة والتصنيع... هو المسؤول ام هذه الرسملة، هذا التقدم هو المسؤول الفعلي؟
للإجابة عن هذا السؤال سنأخذ منطقة أم العرايس كمثال حي.
فأم العرايس منطقة لم تكن مأهولة بالسكان القارين، وما كان لها أن تصير مدينة مستقرة لسبب بسيط وهو أنها لا تتوفر على العوامل الطبيعية الملائمة للاستقرار البشري. غياب ابسط الموارد الطبيعية (فلاحة، صيد...) إضافة للمناخ الحار والتصحر والجبال الجرداء لم تسمح للبشر من قبل بالاستيطان في هذه المناطق. لكن لرأس المال منطق آخر، فمنذ اكتشاف الفسفاط، تم تهجير سكان الجريد المتحلقين حول واحات النخيل المنتشرة هنا وهناك، وحتى سكان من البلدان المجاورة (الجزائر، ليبيا) تحت سياط تدمير زراعاتهم المحلية سواء بالقوة أو عبر التجارة وفقدان الاقتصاد البيتي العائلي لإمكانيات المنافسة مع البضائع الأجنبية الوافدة. ولقد تم تجميع هؤلاء المزارعين الفارين من جحيم التفقير وتدمير وسائل عيشهم المباشرة في مدينة بنيت للغرض: إنها أم العرايس. مدينة هي صنيعة لرأس المال المستثمر في مناجم الفسفاط، وجدت بوجوده، وارتهن وجود أهلها بالعمل في مناجمه. ولان صناعة استخراج الفسفاط في بدايتها كانت في اغلبها يدوية، فان رأس المال كان قد دفع أعدادا مهولة من البشر (بالمقارنة مع الطبيعة الجغرافية التي ما كانت قادرة على استيعاب مثل ذلك العدد) إلى التكدس في أحياء "شعبية"، حيث ليست هناك إمكانية لتوفير دخل ما إلا من خلال العمل في شركة الفسفاط. كل الحياة في أم العرايس مرتبطة بالعمل في الفسفاط. رغم الفواجع والمجازر التي واجهها العمال في سراديب "الداموس" ورغم أن الحوادث داخل الكهوف كانت شبه يومية، وكانت في الغالب حصيلتها قاتلة، فان الناس كانوا مقيدين إلى ذلك الوحش الجبلي، كيف لا، والدواميس من أمامهم والجوع من ورائهم. وباعتبار أن العصر "الذهبي" الأول لصناعة الفسفاط كان في حاجة إلى "اليد العاملة" فان مشكل البطالة لم يكن مطروحا بحدة، وكان الداموس يتكفل بالأجيال المتعاقبة من العمال.
لكن الجنة الرأسمالية لا تدوم إلا لأهلها: البرجوازيين
أما بالنسبة للعمال، فان التطور التقني وما يسمى بالمكنكة (التقدم الرأسمالي الذي يمجده اليسار واليمين على حد السواء) قد جعل طاقة استيعاب شركة الفسفاط من العمال تتناقص على مر الأعوام. وكانت الشركة، ولمجابهة المنافسة العالمية، مضطرة (ككل وحدات الإنتاج الرأسمالية) للتخلي شيئا فشيئا عن جانب مهم من "عمالها". في المقابل فان أعداد السكان كانت في تزايد، الخلاصة كانت أعدادا متعاظمة من البشر، من كل الأعمار، من رجال ونساء، منقطعة عن أي وسيلة عيش مباشرة. لا هي واجدة "موطن شغل" في شركة الفسفاط، ولا هي واجدة وسيلة عيش أخرى، فالتجارة والتجارة السوداء والتهريب ما كانت لتستوعب كل هذه الآلاف من البطالين، وكان النزوح إلى المدن الأخرى محفوفا بألف خطر وخطر (حملات ضد النزوح والتجنيد القسري، التمييز الجهوي، أجور اقل خاصة في القطاعات الخاصة مثل البناء...)
طبعا لقد حاولنا اختصار القصة، لان ما يهمنا في كل هذا، تبيان الكيفية التي بها يقوم رأس المال بتكييف الوجود البشري، لا طبقا لحاجات الناس الحقيقية، بل وفقا لما يوفره الربح والربح الأقصى. وعندما تكف منطقة ما، أو بشر ما، عن استدرار حليب القيمة الزائدة، فان رأس المال لا يجد حرجا في ترك هذه الآلاف المؤلفة لمصيرهم، وتحويلهم إلى لصوص ومتسولين. هذه بالضبط ما تعنيه "التنمية"، ليست هناك تنمية بديلة يمكن أن يقترحها رأس المال. ف"الاستثمار" مرهون بالربح، واستخدام "اليد العاملة" مرهون بالمردودية والمنافسة الاقتصادية. "نحن لسنا مؤسسات خيرية، نحن مؤسسات اقتصادية، إما أن نربح وإما أن نغلق أبوابنا، أما البشر فليتدبر كل واحد أمره بنفسه" هذا هو منطوق أي رأسمالي "نزيه" و"شريف" ولا يرغب في الانتحار اقتصاديا.
بعد سردنا لهذا التلخيص الموجز لقصة مدينة أم العرايس، فان اعتراضا قد يأتينا حول الاستنتاج الذي خرجنا به من هذه القصة، والذي لخصناه في انه لا وجود ل"تنمية" رأسمالية إلا تلك المجسدة في أم العرايس، أي أن كل تنمية رأسمالية لا يمكن أن تؤدي إلا لكارثة مثل التي يمكن معاينتها في أم العرايس وكامل الحوض المنجمي . هذا الاعتراض يبدو منطقيا في الوهلة الأولى، بل يمكن القول انه، وباعتبار المسار التاريخي والوضع الجغرافي الخصوصي لهذه المنطقة والذي اقرينا به، فانه تكفي بعض الإجراءات الخصوصية (مثل تلك التي اعلنت عنها السلطة) لترميم الوضع. فمادام الوضع خصوصي، فالمطلوب إجراءات خصوصية....
للإجابة على هذا الاعتراض نستطيع أن نحيل القارئ للبحث في تاريخ نشأة اغلب الأحياء الشعبية المتحلقة حول المدن الكبرى من الملاسين وحي ابن خلدون والجبل الأحمر في العاصمة إلى حي الخزامة وحي الرياض والزهور في سوسة إلى أحياء طريق المطار وحي الدرابك وحي بورقيبة في صفاقس ....الخ ونعلمه مسبقا أن أي تشابه سيلاحظه في الأحداث والشخصيات وحتى التفاصيل المملة والنتائج الاجتماعية والاقتصادية المدمرة بين قصة أم العرايس وقصص نشأة وتطور تلك المناطق ليس من باب الصدفة: التطور والتقدم الرأسماليين يحملان في ذاتهما التدمير الدائم لقوى الإنتاج ودفع مزيد الآلاف من البشر إلى جحيم البطالة والجوع والتهميش . فالقصة دائما واحدة: تدمير وسائل الإنتاج المباشرة للمزارعين ودفعهم للتكدس حول وحدات الإنتاج الرأسمالي (مصانع، مناطق صناعية، مدن...) ولان عملية الإنتاج لا تخضع للاحتياجات العامة للبشر (التوازن في النمو الديمغرافي إذ أحيانا ولأن رأس المال احتاج في تلك الفترة لأعداد كبيرة من "اليد العاملة" فانه يتم تشجيع التناسل،كذلك التوازن في الكثافة السكانية إذ في الوقت الذي يتكدس فيه عشرات الآلاف في بعض الكيلومترات المربعة نجد أن آلاف الهكتارات خالية إلا من قرى مشتتة ومعزولة) فإننا سريعا ما نصل إلى الوضع الكارثي الذي ليس ميزة لا لام العرايس ولا لأي مدينة تونسية أخرى انه بالفعل وضع عالمي صنعه التقدم الرأسمالي، ومن لا يصدق ذلك عليه فقط زيارة مدن مثل القاهرة، بيكين، نيودلهي، ساو باولو.... لكن ايضا باريس، نيورك ... وكل المراكز العالمية لرأس المال. كل من يحلم،اليوم، ب"اقتصاد وطني" (رأسمالي) بلا آلاف البطالين، بلا أحياء "شعبية" لم يغير الآجر من "قصديريتها"، بلا بشر معلقين في توابيت بعشرات الطوابق، بلا تلوث يقطع الأنفاس واسمنت يسد الأفق، إضافة لكونه يحلم بالفعل، فانه يريد أن يقنع العمال وعموم الفقراء بالقبول بهذا الكابوس الرأسمالي كأفق واحد ووحيد للبشرية.
بالنسبة لأهل أم العرايس فان التغيير الطارئ على رأس مال شركة الفسفاط من رأس مال "استعماري" قبل 1956 إلى رأسمال "وطني" بعد ذلك، لم يغير من وضع البؤس المتفاقم، ولم يلغ لا الاستغلال الطبقي، لا الموت في الدواميس المظلمة، لا الفقر والتلوث، لا البطالة ولا المحسوبية والفساد. ليس في هذا الأمر لغزا، فراس المال بلا وطن (لذلك فان ضحاياه، العمال، بلا وطن هم ايضا) الوطن الوحيد لرأس المال هو الربح. وطبيعة رأس المال واحدة "أجنبيا" كان أم "ابن بلد". مثلما أن النتيجة الطبيعية "لتقدمه" ل"استثماره" ول"تنميته" جهوية كانت أم عالمية، واحدة: إنها كل الكارثة التي لا تمثل أم العرايس إلا نموذجا مصغرا لها. كل الذين يوهموننا ب"تنمية" أكثر عدلا، بتقدم للجميع، ب"دولة الرفاه"، إنما يوهموننا بإمكانية وجود رأسمالية بلا تناقضاتها الطبقية الخاصة بها، بلا استغلال طبقي ..... حقا إنهم يحلمون ب"رأسمالية بلا بروليتاريا"
3 ) في "القضاء على الفساد":
هناك اعتقاد شائع حتى في أوساط المناضلين، بان الفساد بكل مظاهره السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو ظاهرة غريبة عن الحركة العامة لرأس المال والرأسمالية، فالرأسمالية "الصافية" بالنسبة لهؤلاء تفترض الوضوح، الشفافية، غياب التكتلات و"اللوبيات"، والفساد والإفساد واستغلال النفوذ...الخ ويتم نسب كل الظواهر مثل المحسوبية والارتشاء وغيرهما من طرق الإثراء "غير الشرعي" (نهب القيمة الزائدة إثراء مشروع بهذا المنطق) إلى حقل خارج الرأسمالية extra-capitaliste وهذا يتطابق مع الصورة التي تريد الرأسمالية تقديمها عن نفسها، واكتساب شرعيتها بالتبرؤ من كل استتباعات نظامها الكارثية، فمثلما تنسب المجاعات والحروب مثلا إلى أنماط إنتاج ماقبل رأسمالية، متخلفة، قروسطية..الخ فانه يتم نسب الفساد لأشخاص أو فئات بذاتها، لتبرئة النظام ككل والتعمية عن أن مهمة القضاء على الفساد في ظل الرأسمالية ليست سوى يوطوبيا رجعية، تماما مثلما أن نتحدث عن القضاء على البطالة في ظل نظام يفترض وجوده وجود جيش احتياطي دائم من البطالين...
الرأسمالية كيفت العالم والجنس البشري لمقتضياتها. كل النشاط الإنساني، في ظل هذا النظام، متمركز حول هدف واحد: توفير المزيد من القيمة la valeur والرمز العالمي للقيمة هو النقد (المال) لذلك فان كل الحياة الاجتماعية الإنسانية لم تعد سوى وحدة communauté وهمية مركزها المال. مواصلة الحياة، في مثل هذا المجتمع، مرتبط بامتلاك ما يكفي من المال. لقد استبدلت الرأسمالية آلهة العالم القديمة بالاه أكثر سطوة، أكثر تجريدا: انه الاه المال الذي تجثو أمامه كل الروابط الإنسانية الأخرى ذليلة، صاغرة.
المجتمعات المسماة "ماقبل رأسمالية" أو تلك التي تنعت عادة ب"البدائية" و"البربرية" لم تعرف هذه الدرجة المهولة من انفصال الإنسان عن وسائل عيشه وعن وجوده الإنساني communauté humaine وتحول المال إلى الواسطة الوحيدة بين البشر وحاجاتهم الأكثر بيولوجية وأساسية. ففي المجتمعات القديمة، رغم وجود المال كوسيلة للتبادل، فان العلاقة بين المنتجين ووسائل عيشهم كانت في اغلبها علاقة مباشرة، واحتفظت العلاقة بين البشر بمستويات مختلفة بطابعها الملموس والمباشر (القبيلة، العائلة الموسعة، حتى بين السيد والعبد أو بين الإقطاعي والقن كانت هناك علاقة محسوسة وغير مجردة) لم تعرف الإنسانية هذا المستوى من التجريد في العلاقات البشرية وتدمير أي رابطة إنسانية باستثناء رابطة المال إلا في عصر هذا التقدم وهذه الحضارة الرأسمالية، لذلك فان الحديث عن الأنانية، الفردانية، التكالب على المال، عن الارتشاء، المحسوبية...الخ الحديث عن كل مظاهر الفساد وكأنها انحراف اجتماعي، أو حالات شاذة فردية، إنما يهدف لإخفاء أن النظام الرأسمالي هو من ينتج الفساد، لا بل إن النظام الرأسمالي، وبمنظور غير أخلاقي، لا يعدو أن يكون إلا نظام فساد وإفساد لكل الحياة الطبيعية للبشر. كل إيهام بإمكانية إصلاح النظام بإقالة هذا المسؤول (النقابي) أو ذاك، بمحاسبة هذا الموظف أو ذاك، بفضح هذا اللوبي أو ذاك، بإيقاف هذه العائلة أو تلك.... ليس سوى ذر رماد في العيون، قد تلجأ له البرجوازية نفسها في مواجهة هبة جماهيرية قد تعصف بنظامها، ويتم أحيانا التضحية ب"كبش فداء" من اجل الحفاظ على النظام في كليته.
إن التركيز الذي لمسناه خلال تحركات الحوض المنجمي على رمز الفساد النقابي الجهوي، الكاتب العام للاتحاد الجهوي بقفصة، بشكل فيه الكثير من الراديكالية واللهجة الحادة، بحيث بدى في لحظات "شيطنة" وكأن هذا الكاتب العام هو السبب في كل المصائب (بطالة، فقر، جوع، تلوث...) هذا التركيز، هو في أحسن الأحوال (حتى لو أخذنا بعين الاعتبار الجانب التحريضي) خطأ جسيم، يعمي الجماهير عن عدوها الحقيقي، عن سبب مآسيها وشقائها. هذه الراديكالية في نقد الكاتب العام للاتحاد الجهوي كانت تحجب صمتا مريبا (1) عن:
- الفساد العام الذي تعيشه وتعيش به المنظمة النقابية، وكأن هذا الكاتب العام يمثل استثناء، إلى درجة أن هناك من طالب بإقالته سواء من منصبه النقابي أو السياسي (عضوية البرلمان) ... هكذا، وبدل أن يتم تعرية الموقع الطبيعي لهذا الجهاز النقابي (أو البرلماني)، باعتباره جهاز تحكم طبقي، باعتباره أداة مهمة من أدواة الحفاظ على السلم الاجتماعية وترويض العمال وإدماجهم في دورة الإنتاج الرأسمالية. بدل تدعيم ما قامت به الجماهير من تجاوز تاريخي لهذا الجهاز الرجعي والدفع نحو بناء أشكال تنظيمية بروليتارية فعلية. فان هذا الخطاب قد عمل كل جهده لإعادة الجماهير إلى إسطبل النقابة والنقابية، إلى السكتارية والمطلبية. وهو بذلك لم يفعل سوى إنقاذ هذه الجهاز من براثن الجماهير المنتفضة وإعادة المصداقية إليه (2).
- أن المسؤول عن الكارثة اليومية التي تعيشها الجماهير لا يمكن أن يكون هذا الشخص أو ذاك (حتى وان كان رئيس دولة، حكومة أو برلمان..) بل هو هذا النظام الذي لا يمثل رمز الفساد هذا أو ذاك سوى عون من أعوانه وممثل من ممثليه. وان القضاء على الفساد غير ممكن إلا بالقضاء على النظام في كليته وكنس أعوانه في هذا الطريق الشاق والطويل: الثورة الاجتماعية.
في آخر هذا الجزء الثاني سنقدم نقدا ذاتيا، إذ أننا خلال هذين الجزأين قد ركزنا على نقاط ضعف الحركة وكانت المساحة المخصصة لاستعراض الوجه المشرق لحركة طبقتنا محدودة، عدم التوازن هذا متعارض ولا شك مع المنهج الجدلي الذي كنا قد رفعنا تحديا صعبا في الالتزام به، لكن هذا الإخلال ، وان كنا لا ننفي خطأه وضرورة تجاوزه، هو في الحقيقة نتيجة لذلك التعارض بين حدود العرض، أي الإعاقة الخاصة باللغة المستعملة نفسها باعتبارها حمالة لايدولوجيا الطبقة السائدة، لغة شكلانية، صورية، غير قادرة على استيعاب ديناميكية الواقع، وبين المنهج الذي يسعى لاستيعاب اللحظة الديالكتيكية الواقعية.
البون بين ما قامت به الجماهير وبين هذه السطور لا يمكن أن يردمه سوى التحول من سلاح النقد إلى نقد السلاح
سنحاول التقليص أقصى ما أمكن من هذا الضعف في الجزء الثالث الذي نتمنى أن يسعفنا الجهد والوقت لإتمامه
( يتبع )
الهوامش:
1 ) إن كل نقدنا لحركة الحوض المنجمي لا تنطلق من زاوية أخلاقية بتاتا، ولا من زاوية هذا الحانوت السياسي أو ذاك، لذلك فإننا لم نخجل من نقد التيار الذي مثله عدنان الحاجي أو غيره، ولم نخضع لمنطق الحس العام، أو لأن هذا الرمز أو ذاك هو الآن في السجن، فكل هذه الاعتبارات لا تدخل في التحليل النقدي، ولسنا هنا بصدد تقديم انطباعات شخصية. أما بالنسبة لإخواننا من جماهير الحوض المنجمي القابعين الآن في السجون، مثلهم مثل بقية المحتجزين من أبناء طبقتنا الكادحة (بمن فيهم "المتهمين" في قضايا الإرهاب والذين يتخلى عنهم "اليسار" بحجة أنهم "يمين") فان الرد بالنسبة لنا ليس "بالضغط" على الحكومة، أو الالتجاء للمنظمات الإنسانية (يا لهذه الإنسانية البائسة) بل، وببساطة، اقتفاء أثرهم، مواصلة النضال وتوسيع رقعته.... حل صعب ولا شك لكن للأسف ليس هناك سواه من حل
2) وصلنا، ونحن بصدد إتمام صياغة نصنا هذا، بعض من "النقد" حول موقفنا من النقابة الذي قدمناه سواء في الجزء الأول من هذا النص أو في نص آخر كنا نشرناه في فضاء ضد التجريد تحت عنوان "النقابة ضد العمال" ، ونحن إذ نأسف لأن ذلك "النقد" قد بقي في تلك الدائرة المقيتة من الشفوية برغم تعمدنا استعمال لغة استفزازية أحيانا رغبة بالفعل في دفع حركة الصراع والفرز، فإننا نعد بنشر نص حول هذه المسالة (الحركة الشيوعية والنقابات) ، ليس لان لنا موقفا "مستحدثا" في هذا الموضوع، فموقفنا الذي صرحنا به لا يعدو أن يكون "تذكيرا" بالموقف التاريخي لليسار الشيوعي من النقابة والعمل النقابي، إنما لان حركة الجماهير البروليتارية في الحوض المنجمي تماما مثل إخوانهم في المحلة الكبرى بمصر قد وضعت هذا الموقف "النظري" موضع الممارسة الميدانية، ولان الممارسة تغني عن كثير من الثرثرة، فإننا حاولنا بناء ذلك الموقف انطلاقا من دراستنا لتلك الممارسة الجماهيرية بالذات، أي أننا لم نحاول بناء صروح نظرية، أو قوالب جاهزة حول هذا الموضوع بل الانطلاق مما تفرزه حركة الواقع، والتي ليست سوى حركة تهديم النظام لا محاولات إصلاحه. والجماهير في الحوض المنجمي أو غيرها من مناطق العالم، وبمستويات مختلفة، قد وضعت بالفعل النقابة في موقعها الحقيقي، أي كجهاز للسيطرة الطبقية، وحاجزا من الحواجز التي لا مفر من تجاوزها إذا كنا نهدف بالفعل إلى تجاوز نظام البؤس هذا. بقي يجب أن نرفع سوء فهم (لا مفر منه في الواقع) وهو أننا، وبقدر نقدنا لتلك الفيتشية وعبادة الاصنام التي يتعامل بها البعض في تناول هذا الموضوع، فإننا لا شك ننقد ايضا تلك الرؤية التبسيطية (والطفولية أحيانا) التي تدعو للانسحابية والتعالي عن تلويث القميص بالنضال الميداني الذي لا يتم تحديد أشكاله بنماذج مثالية مسبقة بل بحركة الواقع نفسها، فحركة تجاوز النقابة والسكتارية والمهنية والتفاوضية والمطلبية الذليلة ليس بالانسحاب إلى الحلقات الحرفية المغلقة التي تدعي النضال "السياسي" الخالص، بل في مجرى النضال. وكل دعوة للانسحابية السلبية، أي بدون توفر الشروط الموضوعية لذلك، بدون تقديم جهد فعلي في بناء أشكال تنظيمية بروليتارية مستقلة (وهذا نفسه ليس عملية إرادية) بدون ذلك فان الحديث عن تجاوز الأفق البيروقراطي سيكون كلاما بلا معنى حقيقة. سوء فهم أخير نرفعه، وهو من باب التشويه (حتى هو لا مفر منه ايضا) وهو أننا "نشتم" النقابيين" أو العمال عندما نؤكد على رجعية النقابة، كأنما عندما تعري مثلا ظاهرة كرة القدم كأداة لتدجين الجماهير وحرفهم عن مهمتهم التاريخية، يقال لك انك "تشتم" جماهير الكرة، طبعا فمثل هذه الردود لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى النقاش النظري الجاد بقدر ما تصب في خانة التسطيح المعمم للوعي.
أيوب أيوب




